أبي هلال العسكري
145
الوجوه والنظائر
والرابع : قالوا : الهزيمة ، قال تعالى : ( فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ( 15 ) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ) . يعني : الهزيمة عنهم ، ومصدر هذا التولية ، وليس بالتولي ، نهى اللَّه تعالى المؤمنين أن يولوا الكفار أدبارهم في القتال إلا أن ينحرف أحدهم من موضع لا يمكنه فيه الضرب والطعن إلى موضع يمكنه فيه ذلك ، أو أن يضيق عليه فليلتجئ إلى جماعة من المسلمين ، فينضافوا معه على مدافعة العدو ، ومن يولي عن العدو على غير هذين الوجهين فقد باء بغضب من اللَّه ، أي : استحق الغضب من اللَّه مقابلة بقبيح فعله ، وهو من البواء في القتل ، وهو أن يقتل بالرجل كفوه . قال أبو بكر الرازي رحمه الله : " وهذا الحكم عندنا ثابت ما لم يبلغ عدد جيش المسلمبن اثني عشر ألفا ، فإذا بلغ ذلك فليس لهم أن ينهزموا عن مثلهم إلا متحرفين لقتال " ، والحجة حديث ابن عباس عنه - عليه السلام - " خير الأصحاب أربعة ، وخير السرايا أربعة مائة ، وخير الجيوش أربعة آلاف ، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة " ؛ وسأل رجل مالكا ، فقال : أيسعنا قتال من خرج من أحكام الله وحكم بغيرها ، فقال مالك : إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف ، وإلا فأنت في سعة من ذلك . وقال بعضهم : هذه الآية في أهل بدر ؛ وليس الفرار من الزحف كبيرة ، وهذا غلط ، لأن النفي عام ، وليس لأحد تخصيصه ، ولا يكون المجمل إلا على العموم ، وقيل : هذا الوعيد لازم لمن فرَّ عن الزحف حبا للحياة ، فأما من لم يجد بُدًّا من الفرار فهو في سعة . والزحف : السير هي الثقيل ، وبه يوصف العساكر ، لأنَّهَا إذا دنت من العدو ؛ سارت على تعبئة ، وسير الجماعة المعبأة رويدا . الخامس : بمعنى ولاية الأمر ، قال : ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ) بالكسر ، أي : تولى الإثم فيه ، كأنَّه صار صاحب الإثم فيه ، وقرئ ( كبره ) ، أي : معظمه ، وكبر الشيء : معظمه ، وكذلك كبره : لغتان ، وقيل كبر : مصدر الكبير من الأمور ، وكبر : مصدر الكبير السن ، مثل : الكبر والكبر : الكبير أيضا .