أبي هلال العسكري

104

الوجوه والنظائر

أم إذا قلت : أزيد في الدار أم عمرو ؟ فأنت لا تدري أيهما في الدار ، ولا تدري أن أحدهما فيها أو لا ، ويصلح في جوابه لا ونعم ؛ لأنك تسأل عن الكينونة هل حصلت في الدار أم لا فإذا علمت أن أحدهما في الدار ولست تدري أيهما هو قلت : أزيد في الدار أم عمرو ، ولا يصلح في جوابه لا ولا نعم ؛ لأنك تسأل عن أحد الكائنين ففيه معنى أيهما . قيل : و ( أم ) في القرآن على وجهين : الأول : يكون بمعنى أو ، قال اللَّه تعالى : ( أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى ) وقوله تعالى : ( أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ) . قال بعض أهل العربية : هي في هذين الموضعين بمعنى أو ، والمراد التحذير ، أي : لا تأمنوا ذلك واحذروا ما دمتم على الشرك . الثاني : مجيئه بمعنى ألف الاستفهام ، قال اللَّه تعالى : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) والاستفهام هاهنا بمعنى النهي ، وقال اللَّه تعالى : ( أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ) أراد له البنات ، وهذا الاستفهام بمعنى الزجر والتبكيت ، قال : وليس من هذا : ( أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ ) فإن قيل : لم سوى بين السخري وبين زاغت الأبصار عنهم ؟ ، قلنا : لأن المعنى أظلماهم بما قلنا فيهم وبما سخرنا منهم أم هم مستحقون له وقد زاغت أبصارنا عنهم وهم في النار ، فهذا حق التسوية . والصحيح في هذه الآيات أنه لما جاء بلفظ الاستفهام في أول الكلام جاء بأم بعده لأنه للاستفهام ، والمراد بالاستفهام فيها التبكيت أو التعريف والتوقيف على ما ذكرناه ، وقال :