ابن خالوية الهمذاني

108

الحجة في القراءات السبع

قوله تعالى : بِما وَضَعَتْ « 1 » يقرأ بإسكان التاء وضمّها . فالحجة لمن أسكن : أنه جعله من إخبار الله تعالى عن أم مريم ، والتّاء دليل على التأنيث وليست باسم . والحجة لمن ضم : أنه حكى عن أم مريم ما أخبرت به عن نفسها ، فالتاء هاهنا اسم . وإنما بني على الحركة لضعفه بأنه حرف واحد . قوله تعالى : وَكَفَّلَها « 2 » . يقرأ بتشديد الفاء وتخفيفها . فالحجة لمن شدد : أنه عدّى بالتشديد الفعل إلى مفعولين : إحداهما : الهاء والألف المتصلتان بالفعل . والثاني : ( زكريا ) وبه ينتصب ( زكريّا ) في قراءة من شدد الفاء ، لأنه عطفه على قوله : ( فتقبلها ربّها ) وكفلها . والحجة لمن خفف الفاء : أنه جعل الفعل ل ( زكريا ) ، فرفعه بالحديث عنه ، وجعل ما اتصل بالفعل من الكناية مفعولا له . ودليله على ذلك قوله : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ « 3 » . و ( زكريا ) يمدّ ، ويقصر ولا يجرى « 4 » للتعريف والعجمة . قوله تعالى : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ « 5 » . يقرأ بالتاء ، والألف . فالحجة لمن قرأ بالتاء : أن الملائكة جماعة ، فدل بالتاء على معنى : الجماعة . والدليل على ذلك قوله : وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ « 6 » . والحجّة لمن قرأ بالألف : أن الفعل مقدّم « 7 » ، فأثبت بالألف كما أقول : رماه القوم ، وعاداه الرجال . ومع ذلك فالملائكة هاهنا : جبريل ، فذكّر الفعل للمعنى . قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ « 8 » . يقرأ بضم الياء مع التشديد ، وبفتحها مع التخفيف .

--> ( 1 ) آل عمران : 36 . ( 2 ) آل عمران : 37 . ( 3 ) آل عمران : 44 . ( 4 ) لا يجري : لا ينون : قال الطبري : « الصواب عندنا إذا مد زكريا أن ينصب بغير تنوين لأنه اسم من أسماء العجم لا يجري . ( الطبري 3 : 163 ) وانظر في معنى الإجراء : ( المعجم الوسيط 1 : 120 والقاموس المحيط مادة : جرى ) . ( 5 ) آل عمران : 39 . ( 6 ) آل عمران : 42 . ( 7 ) قال الطبري « والصواب من القول عندي في قراءة ذلك أنهما قراءتان معروفتان أعني : التاء والياء ، فبأيهما قرأ القارئ فمصيب . . وذلك أن الملائكة إن كان مرادا بها : جبريل كما روي عن عبد الله ، فإن التأنيث في فعلها فصيح في كلام العرب للفظها إن تقدمها فعل ، وجائز فيه التذكير لمعناها . وإن كان مرادا بها : جمع الملائكة فجائز في فعلها التأنيث وهو من قبلها للفظها ، وذلك أن العرب إذا قدّمت على الكثير من الجماعة فعلها انثته ، فقالت : قالت النساء ، وجائز التذكير في فعلها بناء على الواحد إذا تقدم فعله فيقال : « قال الرجال » الطبري : 3 : 169 . ( 8 ) آل عمران : 39 .