عبد القاهر الجرجاني
67
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
ما هو الصحيحُ من ذلك في موضعٍ آخر ، وأنا اقتصر ههنا على ذِكْر ما هو أشهرُ منه وأظهَرُ . والاسم والشهرة فيه لشيئين : " الاستعارة " و " التمثيل " . وإِنما يكونُ " التمثيلُ " مَجازاً إذا جاءَ على حَدِّ " الاستعارة " . 60 - فالاستعارة : أن تُريدَ تشبيهَ الشيءِ بالشيءِ ، فَتَدعَ أنْ تُفْصحَ بالتشبيهِ وتُظْهرَه ، وتجيءَ إلى اسمِ المشبَّه بهِ فتعُيِرَه المِشبَّةَ وتُجْرِيَه عليه . تُريدُ أن تَقول : رأيتُ رجلاً هو كالأسدِ في شجاعتهِ وقوةِ بطشِه سَواء " ، فتَدَعُ ذلك وتقولُ : " رأيتُ أسداً " . وضَرْبٌ آخرُ من " الاستعارة " ، وهو ما كان نحو قوله : إذْ أَصْبَحتْ بيدِ الشَّمال زِمامُها 1 هذا الضربُ ، وإِن كان الناسُ يَضمُّونه إِلى الأَوَّل حيث يذكرونَ الاستعارةَ ، فليسا سَواءً . وذاكَ أنكَ في الأولِ تجعلُ الشيءَ الشيءَ ليس به ، وفي الثاني للشّيءِ الشيءَ ليس له . تفسيرُ هذا : أنك إذا قلتَ : " رأيتُ أسداً " ، فقد ادَّعيت في إنسانٍ أنه أسدٌ ، وجعْلته إياه ، ولا يكون الإِنسان أَسَداً . وإذا قلت : " إذا أصبحَتْ بيدِ الشَّمال زمامُها " ، فقد ادَّعيْتَ أن لِلشَّمال يداً ، ومَعْلومٌ أنه لا يكونُ للريحِ يد .
--> 1 للبيد بن ربيعة ، من معلقته ، وصدره : وغداة ريح قد كشفت وقرة