عبد القاهر الجرجاني

60

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

وإنْ تعَسَّفَ متعسفٌ في تلاؤُمِ الحروفِ ، فبَلغَ به أن يكون الأصلَ في الإِعجازِ ، وأَخرجَ سائرَ مَا ذكروه في أقسامِ البلاغة من أن يكونَ له مَدْخلٌ أو تأثيرٌ فيما له كان القرآنُ معجزاً ، كان الوجهُ أن يُقالَ له : إنَّه يَلزمُكَ ، على قياسِ قولِكَ ، أن تجوز أن يكون ههنا نظمٌ للألفاظِ وترتيبٌ ، لا على نَسَقِ المعاني ، ولا على وجْهٍ يُقْصَد به الفائدةُ ، ثم يكونَ مع ذلك مُعْجزاً ، وكَفى به فساداً . 51 - فإنْ قالَ قائلٌ : إني لا أجعلُ تلاؤمَ الحروفِ مُعْجزاً حتى يكونَ اللفظُ مع ذلك دالا ، وذاك أنه إنَّما تصعبُ مراعاةُ التعادلِ بينَ الحروفِ ، إذا احتيجَ مع ذلك إلى مراعاةِ المعاني ، كما أنه إنَّما تصْعبُ مراعاةُ السجعِ والوزنِ ، ويصعبُ كذلك التجنيسُ والترصيعُ ، إذا رُوعي معه المَعْنى . قيلَ له : فأنتَ الآنَ ، إنْ عقَلْتَ ما تَقولُ ، قد خرجْتَ من مسئلتك ، وتركْتَ أن يَسْتحِقَّ اللفظُ المزيةَ من حيثُ هو لفظ 1 ، وجئت به تَطْلبُ لِصعوبةِ النظْمِ فيما بينَ المعاني طريقاً ، وتَضَعُ له علَّةً غيرَ ما يعرفُه الناسُ ، وتدَّعي أنَّ ترتَيبَ المعاني سهْل ، وأنَّ تفاضُلَ النَّاس في ذَلك إلى حَدِّ ، وأَنَّ الفضيلةَ تَزْداد وتَقْوى إذا تُوَخِّي في حُروفِ الألفاظِ التعادلُ والتلاؤمُ . وهذا مِنك وَهُمٌ . وذلكَ أنَّا لا نَعلمُ لِتَعادُلِ الحروفِ معنًى سِوى أنْ تَسْلَم من نَحْوِ ما تَجدُهُ في بيتِ أبي تمامٍ : كريمٌ متى أمدحْه أمْدَحْهُ والوَرى

--> 1 في " ج " كتب : " من حيث وجئت تطلب " ، أفسد الكلام ، وفي " س " : " من حيث هو لفظ ، وحيث تطلب " ، أفسده أيضًا .