عبد القاهر الجرجاني

57

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

فصل - الرد على من يقول : الفصاحة للفظ وتلاؤم الحروف : 49 - وهذه شُبهةٌ أُخرى ضعيفةٌ ، عسى أن يتعلَّقَ بها مُتعلِّقٌ ممَّن يُقْدم على القولِ من غيرِ رويّةٍ : وهي أنْ يَدَّعي أنْ لا معنى للفصاحة سِوى التلاؤمِ اللَّفظيّ ، وتعديلِ مِزَاجِ الحُروفِ حتى لا يتلاقى في النُّطقِ حروفٌ تَثْقلُ على اللسَان ، كالذي أنَشْدَه الجاحظ من قول الشاعر : وقَبْرَ حَرْبٍ بمكانٍ قَفْرِ . . . وليسَ قُرْبَ قبرِ حرب قبر 1 وقول ابن يسير 2 : لا أُذِيل الآمالَ بَعدك إنِّي . . . بَعْدَها بالآمالِ جدُّ بخيلِ كَمْ لَهَا موقفاً ببابِ صديقٍ . . . رجَعتْ مِنْ نَداه بالتعطيلِ لَمْ يَضِرْها والحمدُ للهِ شيءٌ . . . وانثنتْ نحْوَ عَزْفِ نَفْسٍ ذَهُول 3 قال الجاحظُ : فتفقَّدِ النِّصْفَ الأخيرَ من هذا البيت فإِنك ستجدُ بعضَ ألفاظه يتبرَّأ من بعضٍ " 4 ويُزعمُ أنَّ الكلامَ في ذلك على الطبقات فمنه المُتناهي في الثِّقَل المفرطُ فيه ، كالذي مَضَى ، ومنه ما هو أَخَفُّ منه كقولِ أبي تمام :

--> 1 البيان والتبيين 1 : 65 . 2 في " س " : " قول ابن سيرين " ، وهو خطأ صرف ، والشعر لمحمد بن يسير الرباشي ، وهو في البيان والتبيين 1 : 65 ، 66 . 3 البيان والتبيين 1 : 65 ، 66 . " لا أذيل الآمال " ، لا أهينها ، و " التعطيل " ، الإهدار والإبطال . و " عزف " ، مصدر " عزفت نفسه عن الشيء عزفًا وعزوفًا " ، زهدت فيه وانصرفت عنه . و " الذهول " ، التي تناست الشيء وتغافلت عنه . وفي المطبوعة : " كم لها موقف " . 4 " ويزعم " ، معطوف على قوله : " وهي أن يدعي . . . " .