عبد القاهر الجرجاني
53
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
لا يُوفي النظرَ حقَّه . وكيف تكونُ مفكِّراً في نظم الألفاظ ، وأنت لا تعقل لها أوصافاً وأحوالاً إذا عرفتَها عرفتَ أنَّ حقها أَن تُنْظَم على وجه كذا ؟ رد شبهة في شأن " النظم " : 46 - ومما يلبِّس على الناظِر في هذا الموضع ويُغلِّطه ، أنه يَستَبْعد أن يُقال : " هذا كلامٌ قد نُظِمتْ معانيهِ " ، فالعُرْفُ كأنه لم يَجْرِ بذلك ، إلاَّ أَنهم وإنْ كانوا لم يسَتعملوا " النظْمَ " في المعاني ، قد استعملوا فيها ما هوَ بمعناهُ ونَظيرٌ له ، وذلك قولُهم : " إنَّه يُرتِّبُ المعانيَ في نفسِه ، ويُنْزِلها ، ويَبْني بعضَها على بَعضٍ " ، كما يقولون : " يُرتِّب الفروعَ على الأصول ، ويُتْبع المعنَى المعنى ، ويُلْحِق النظِير بالنظير " . وإذا كنت تعلم أنهم قد استعاروا النَّسْجَ والوشيَ والنقشَ والصياغَةَ لنفسِ ما استعاروا له " النظْم " ، وكان لا يُشَكُّ في أنَّ ذلك كلَّه تشبيهٌ وتمثيلٌ يَرجع إلى أمورٍ وأوصافٍ تتعلقُ بالمعاني دونَ الألفاظِ ، فمن حَقِّك أنْ تَعلم أنَّ سبيلَ " النظمِ " ذلكَ السبيلُ . 47 - واعلمْ أنَّ مِنْ سبيلك أن تَعتمِدَ هذا الفصْلَ حَدّاً ، وتَجْعل النُّكَتَ التي ذكرتُها فيه على ذُكْرٍ منكَ أبداً ، فإِنها عَمَدٌ وأُصولٌ في هذا الباب 1 ، إذا أنت مكَّنْتَها في نَفْسك ، وجدْتَ الشُّبَه تنزاحُ عنك ، والشكوكَ تَنْتفي عن قَلبك ، ولا سيَّما ما ذكرتُ من أنه لا يُتَصوَّر أنْ تَعرِفَ للفظ موضعًا
--> 1 " عمد " ، جمع " عمدة " ، وهو ما يعتمد عليه .