عبد القاهر الجرجاني

51

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

43 - ودليلٌ آخرُ ، وهو أنه لو كان القصْدُ بالنَّظم إلى اللفظِ نَفْسِه ، دونَ أن يكونَ الغرضُ ترتيبَ المعاني في النَّفس 1 ، ثم النطقَ بالألفاظ على حَذْوها ، لَكانَ يَنْبغي أن لا يَخْتلف حالُ اثنين في العِلْم بحُسْن النظُم أو غير الحسن فيه ، لأنهما يحسبان بِتَوالي الألفاظِ في النُّطق إحساساً واحداً ، ولا يَعْرِفُ أحدُهما في ذلك شيئاً يَجْهلُهُ الآخرُ . بيان معنى " النظم " : 44 - وأوْضحُ من هذا كلِّه ، وهو أنَّ هذا " النظْمَ " الذي يتواصَفُه البلغاءُ ، وتَتَفاضَلُ مراتِبُ البلاغةِ من أجلهِ ، صَنْعةٌ يُستعانُ عليها بالفكرةِ لا مَحالة . وإذا كانت مما يُستعانُ عليها بالفكرةِ 2 ، ويُسْتخرَجُ بالرَّويَّة ، فينبغي أن يُنْظَر في الفِكَر ، بماذا تلبس ؟ أبا المعاني أم بالأَلفاظ ؟ فأَيُّ شيءٍ وجدْتَه الذي تلبِّس به فِكَركَ من بينِ المعاني والألفاظِ ، فهو الذي تَحَدثُ فيه صَنْعتُك 3 ، وتَقع فيه صياغتُك ونظمُك وتصويرُك . فَمُحالٌ أن تتفكَّرَ في شيءٍ وأَنت لا تَصنَعُ فيه شيئاً ، وإنما تَصْنع في غيرِه . لو جازَ ذلك ، لجازَ أن يُفكِّر البنَّاءُ في الغَزْل ، ليَجْعل فكرَهُ فيه وُصلةً إلى أن يُصْنَعَ من الآجُرّ ، وهو من الإِحالةِ المُفْرطة . 45 - فإِنْ قيلَ : " النظْمُ " موجودٌ في الألفاظِ على كلَّ حالٍ ، ولا سبيلَ إلى أن يُعْقَل الترتيبُ الذي تزعُمُه في المعاني ، ما لم تَنْظم الألفاظَ ولم ترتَّبْها على الوجه الخاص .

--> 1 في " ج " أسقط " في النفس " . 2 في المطبوعة : " عليه بالفكرة " . 3 في " ج " : " صنيعتك " ، وضبطها .