عبد القاهر الجرجاني

36

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

كما عَظُمَ ثَمَّ ، وهذا صحيحٌ كما قلْتم ، ولكنْ بقيَ أنْ تُعْلِمونا مكانَ المزيَّة في الكلام ، وتَصفوها لنا ، وتَذْكُروها ذِكْراً كما يُنَصُّ الشيءُ ويُعَيَّنُ ، ويُكْشَفُ عن وجههِ ويُبَيَّنُ ، ولا يكفي أن تقولوا : " إنَّه خُصوصيةٌ في كيفيَّة النَّظْم ، وطريقةٌ مَخْصوصةٌ في نَسَق الكَلِم بَعْضِها على بَعض " ، حتى تَصِفوا تلكَ الخصوصيةَ وتُبَيِّنوها ، وتذكروها لها أمثلةً ، وتقولوا : " مثْلَ كيتٍ وكَيْتٍ " ، كما يذكر مَنْ تَسْتوصِفُه عَمَلَ الدَّيباج المنقَّش ما تَعْلَم به وجْهَ دِقَّةِ الصنعة ، أَوْ يَعْمَلهُ بينَ يديكَ ، حتى تَرى عِياناً كيف تَذْهبُ تلك الخيوطُ وتَجيءُ ؟ وماذا يَذْهَبُ منها طُولاً وماذا يَذهب منها عَرْضاً ؟ وبِم يَبْدَأ وبم يُثَنِّي وبِمَ يُثَلِّثُ ؟ 1 وتُبْصِرُ منَ الحِسَابِ الدَّقيق ومِنْ عجيب تصرف اليد ، ما تعلم معه مكانَ الحِذْقِ ومَوضِعَ الأُستاذيَّة 2 . ولو كانَ قولُ القائل لك في تَفْسير الفصاحةِ : " إنها خصوصيةٌ في نَظْم الكَلِم وضَمِّ بَعْضِها إلى بعضٍ على طريقٍ مخصوصةٍ ، أو على وُجوهٍ تَظْهَرُ بها الفائدةُ ، أو ما أشبَهَ ذلكَ منَ القولِ المُجْمَل ، كافياً في مَعْرفتها ، ومُغْنياً في العِلْم بها ، لكفى مِثْلُه في معرِفة الصِّناعات كلِّها . فكان يَكْفي في معرفةِ نَسْج الدِّيباجِ الكثيرِ التَّصاويرِ أَنْ تَعْلم أنه تَرتيبٌ للغَزْل على وَجْهٍ مخصوصٍ ، وضَمٌّ لطاقاتِ الأبريسَم بعضِها إلى بعضٍ على طُرُقٍ شَتّى . وذلك ما لا يقوله عاقل .

--> 1 " وتبصر " معطوف على قوله قبل : " حتى نرى عيانًا " . 2 في المطبوعة : " ما تعلم منه " .