عبد القاهر الجرجاني

31

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

قولك : " جاءني رجل ظريف " و " مررت بزيدٍ الظريفِ " ، هل ظَننتُم أنَّ وراءَ ذلك علمًا ، وأن ههنا صِفةً تُخصِّص ، وصفةً تُوضح وتُبين ، وأن فائدةَ التخصيص غيرُ فائدةِ التَّوضيح ، كما أن فائدةَ الشِّياع غيرُ فائّدةِ الإِبهام 1 ، وأنَّ مِنَ الصفةِ صفة لا يكون يها تخصيص ولا توضيح ، ولكن يوتي بها مؤكَّدةً كقولهم : " أَمسِ الدابرُ " وكقوله تعالى : { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَة } [ سورة الحاقة : 13 ] ، وصفةً يُراد بها المدحُ والثناءُ 2 ، كالصفاتِ الجاريةِ على اسْم الله تعالى جَدَّه ؟ وهل عَرَفتم الفَرْقَ بينَ الصفة والخبر ، وبينَ كلِّ واحدٍ منهما وبينَ الحال ، وهل عرَفْتم أَنَّ هذه الثلاثةَ تَتَّفْقُ في أنَّ كافَّتَها لثُبوتِ المعنى لِلشيء ، ثم تَخْتلفٌ في كيفيّةِ ذلك الثبوتِ ؟ وهكذا ينبغي أن تُعْرَض عليهم الأبوابُ كلُّها واحداً واحداً ، ويُسْألوا عنها باباً باباً ، ثم يُقال لهم 3 : ليس إلاَّ أَحدَ أمرين . إمَّا أن تَقْتحموا التي لا يَرْضاها العاقلُ ، فتُنْكِروا أن يكونَ بكم حاجةٌ في كتاب الله تعالى ، وفي خبير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي معرفة الكلامِ جملةً ، إلى شيءٍ من ذلك ، وتَزْعموا أنكم إِذا عَرفْتُم مَثلاً أنَّ الفاعل رَفْعٌ ، لم يَبْقَ عليكم في بابِ الفاعل شيءُ تحتاجون إلى مَعْرفته 4 . وإِذا نظرتُم إلى قولنا : " زَيْدُ مُنْطلقٌ " ، لم تُحْتاجوا مِنْ بَعده إلى شيءٍ تَعْلمونه في الابتداء والخبر ، وحتى تَزْعموا مثَلاً أنكم لاَ تَحتاجون في أَنْ تَعرفوا وجه الرفع في { الصَّابِئُون } من سورة المائدة [ سورة المائدة : 19 ] إلى ما قاله العلماءُ فيه ، وإلى استشهادهم فيه بقول الشاعر 5 :

--> 1 " الشياع " ، التفرق والانتشار حتى يكون لكل واحد منه نصيب . 2 في هامش " ج " ما نصه : " اعطف على صفة في قوله : وأن من الصفة صفة " . 3 " لهم " ، زيادة من " س " . 4 في المطبوعة : " ما تحتاجون " . 5 " فيه " ، زيادة من " س " .