عبد القاهر الجرجاني
27
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
على وزنِ الكلامِ وصياغتِه شِعراً ، ولا يُؤيَّد فيه بروح القُدُس . وإِذا كانَ هذا كذلك ، فينبغي أن يَعْلم أَنْ ليس المَنْعُ في ذلك منه تنزيهٍ وكراهةٍ ، بل سبيلُ الوزنِ في منعه عليه السلام إياه سبيلُ الخَطِّ ، حين جُعل عليه السلامُ لا يقرأُ ولا يَكُتب ، في أَنْ لم يكن المَنْعُ منِ أجْل كراهةٍ كانت في الخط ؛ بل لأنه تَكونَ الحُجةُ أَبهِرَ وأقهرَ 1 ، والدلالةُ أقوى وأظهر ، ولتكونَ أَكْعَمَ للجاحد 2 ، وأَقْمَعَ للمُعَانِد ، وأَرَدَّ لِطالب الشبهة ، وأمنع من ارتفاع الريبة 3 . تعلق الذام له بأحوال الشعراء : 22 - وأما التعلُّق بأحوالِ الشُّعراء بأنَّهم قد ذُمُّوا في كتابِ الله تعالى 4 ، فما أرى عاقلاً يَرْضى به أنْ يَجْعله حُجةً في ذَمِّ الشعر وتهجينه ، والمنع منحفظ وروايتِهِ ، والعِلْم بما فيه مِن بَلاغةٍ ، وما يختصبه من أَدب وحِكْمه 5 ؛ ذاك لأَنه يَلْزمُ على قَوَد هذا القولِ أَن يَعيب العلماءَ في استشهادهم بشِعْر امْرئ القيسِ وأَشعار أهلِ الجاهليِة في تفسيرِ القرآن 6 ، وفي غَريبهِ وغَريبِ الحديث ، وكذلك يَلْزمه أنْ يَدْفع سائرَ ما تقدَّم ذكرُه من أَمْر النبي صلى الله عليه وسلم بالشَّعر ، وإصغائه إليه ، واستحسانِه له . هذا ولو كان يَسُوغُ ذَمُّ القولِ من أَجْل قائله ، وأنه يُحمَلَ ذَنْبُ الشَّاعرِ على الشَّعرِ 1 لكانَ يَنبغي أن يُخَصَّ ولا يُعَمَّ ، وأن يُسْتثنى ، فقد قالَ اللهُ عَزَّ وجلَّ : { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } ولولا أَنَّ القولَ يَجُرَّ بَعْضُهُ بَعضاً ، وأنَّ الشيءَ يُذكَرُ لدخولِه في القِسْمة ، لكان حقُّ هذا ونحوِهِ أَنْ لا يُتَشاغَلَ به ، وأن لا يُعادَ ويُبدأ في ذِكره .
--> 1 في " ج " : " بل بأن تكون " . 2 " أكعم " من " كعم البعير " ، إذا شد فاه بالكعام عند هياجه ؛ لئلا يعض ، أو لأجل منعه الأكل . 3 في المطبوعة : " في ارتفاع " . 4 انظر الفقرة الماضية رقم : 9 . 5 فيه هامش " ج " ما نصه : " أي قولنا : إن عاقلًا لا يرضى أن يجعله حجة ؛ لأنه يلزم " . 6 قوله : " على قود هذا القول " ، أي على سياقه واطراد قياسه .