ابراهيم بن علي الشيرازي

8

طبقات الفقهاء

وبعد وفاة الشيخ أبي الطيب الطبري ( 450 ) يكاد أبو إسحاق يصبح العلم المتفرد بين فقهاء مذهبه ، لا ينازعه في هذا منازع حتى أن الوزير نظام الملك لما بنى المدرسة النظامية ببغداد لم يقع اختياره لتولي التدريس فيها إلا على الشيخ أبي إسحاق ، بل أنه جعلها برسمه بعد أن وافق الشيخ نفسه على ذلك . وفي العاشر من ذي القعدة سنة 459 جمع العميد أبو سعد القاشي الناس من مختلف الطبقات لا فتتاح المدرسة ( 1 ) . والقاء أول درس فيها ، وطال انتظار الناس تشوقاً لحضور أبي إسحاق فلم يحضر ، وطلب فلم يوجد ، وعندئذ عهد العميد أبو سعد إلى أبي نصر بن الصباغ بالتدريس فيها . وقيل أن أبا إسحاق إنما عدل عن الحضور بع موافقته لأن شاباً لقيه في الطريق فقال له : يا سيدنا ، تريد تدريس في المدرسة ؟ قال نعم . قال : وكيف تدرس في مكان مغصوب ؟ وعندئذ غير الشيخ نيته ولم يحضر . ولما تولى ابن الصباغ التدريس في النظامية وبلغ الخبر نظام الملك غضب وأقام القيامة على العميد أبي سعد ، وأبى أن يقبل بأحد سوى الشيرازي ؛ وظهر أبو إسحاق بمسجد باب المراتب يلقي دروسه على عادته ، فاجتمع إليه الناس داعين له لأنه رفض التدريس ، وكان قد بلغهم أنه قال : " إني لم أطب نفساً بالجلوس في هذه المدرسة لما بلغني أن أبا القاشي غصب أكثر آلاتها ونقض قطعة من البلد لأجلها " . غير أن تلامذة أبي إسحاق اغتموا لما فعله شيخهم ، وفتروا عن حضور دروسه ، وراسلوه يعلمونه انه إن لم يتول التدريس بالمدرسة فإنهم سينفضون من حوله ويلحقون بابن الصباغ ، فأرضاهم بالاستجابة تطيباً لقلوبهم ؛ وصرف ابن الصباغ عن التدريس بعد أن قضى في ذلك عشرين يوماً ، وجلس أبو إسحاق في النظامية في مستهل شهر ذي الحجة سنة 459 وبقي فيها مدرساً إلى حين وفاته أي حوالي سبعة عشر عاماً ؛

--> ( 1 ) بدء بعمارة النظامية في ذي الحجة سنة 457 .