ابراهيم بن علي الشيرازي
16
طبقات الفقهاء
نظام الملك وهذا لم يفعل على غيره ، وأول من صلى عليه المقتدي بأمر الله ، وتقدم في الصلاة عليه أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء وهو حينئذ نائب بالديوان ثم حمل إلى جامع القصر فصلي عليه ودفن بباب أبرز ؛ وجلس أصحابه للعزاء في المدرسة النظامية ثلاثة أيام ، ولم يتخلف أحد عن العزاء ورثاه عدد كبير من الشعراء ؛ ورتب مؤيد الملك بعد وفاته في المدرسة الشيخ أبا سعد المتولي ، فلما علم نظام الملك بذلك أنكره وقال : كان الواجب أن تغلق المدرسة بعد الشيخ أبي إسحاق سنةً . شخصيته وأخلاقه : كان نحيفاً دقيق الجسم ، ذكياً قوي الحافظة ، دءوباً على الدرس والتحصيل ، متقللاً قشفاً في مطعمه وملبسه ، قانعاً بالسير صابراً على الفقر ؛ حدث بعض أصحابه أنه لم يكن يملك من الدنيا شيئاً ، وبلغ به الفقر أنه كان لا يجد قوتاً ولا ملبساً قال : ولقد كنا نأتيه وهو ساكن في القطيعة فيقوم لنا نصف قومة ليس يعتدل قائماً من العري كي لا يظهر منه شيء ؛ وقيل كان إذا بقي مدة لا يأكل شيئاً جاء إلى صديق له باقلاني فكان يثرد له رغيفاً ويثريه بماء الباقلاء ، فربما أتاه وكان قد فرغ من بيع الباقلاء ، فيقف أبو إسحاق ويقول : تلك إذاً كرة خاسرة ، ويرجع . وحدث عن نفسه انه كان في أيام الطلب يشتهي ذلك النوع من الثريد بماء الباقلاء سنين ، فلم يصح له لاشتغاله بالدرس ومسارعته إلى أن يكون في أول من يحضرون حلقة الشيخ ؛ وكان مطرحاً للتكلف : سأله بعضهم أن يكتب له رأيه في مسألة ، فمضى إلى دكان خباز فأخذ فلم الخباز ودواته وكتب الجواب في الحال ومسح القلم في ثوبه ؛ وذهب يوماً إلى الديوان ومعه أبو نصر القشيري فأحس أبو نصر في كمه بثقل فقال : ما هذا يا سيدي ؟ فقال : هذه قرصتي . وجمع إلى تقشفه وبساطته تورعاً شديداً أدى أحياناً إلى ما يشبه الوسواس : أخرج ذات يوم قرصين من بيته وقال لبعض أصحابه : وكلتك في أن تشتري لي الدبس