أبو عبيد البكري الأندلسي الأونبي

30

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال

وإنما يصلح وضع هذا المثل في الباب الذي أدخله فيه على تفسير آخر لم يذكره أبو عبيد ، وهو أن المحتطب ليلاً يجمع بين شخت الحطب وجزله ويابسه ورطبه لا يختار ، لظلام الليل ، وكذلك هذا المكثر يجمع بين غث الكلام وسمينه ، وجيده ورديئه ، فأما قولهم : أيا موقداً ناراً لغيرك ضوءها . . . ويا حاطباً في حبل غير تحطب فإن معناه أن حاطب الليل أيضاً يضع حبله ويحتطب ويأتي بما يجتمع له ، ليضعه على الحبل ، فربما وضعه على غير الحبل لظلام الليل ، فإذا رأى أنه قد اكتفى ، عمد إلى طرفي الحبل ليشده على الحطب فلم يجد فيه شيئاً أو وجد فيه بعض ما احتطب ، فيأتي غيره نهاراً فيجد حطبه مجموعاً ، فكأن احتطابه إنما كان في حبل ذلك الواجد لحطبه . قال أبو عبيد : ويروى في الحديث عن لقمان أنه قال : " الصمت حكم وقليل فاعله " . ع : روي أن داود عليه السلام كان يسرد درعاً ولقمان عنده فقال : ما هذا يا نبي الله ؟ فسكت عنه حتى إذا فرغ داود من سردها لبسها فعند ذلك قال لقمان " الصمت حكم وقليل فاعله " ، والسرد : سمر حلق الدرع ، قال الله تعالى { وقدر في السرد } ( سبأ : 11 ) أي لا تجعل المسمار دقيقاً فيقلق ( 1 ) ، ولا غليظاً فيقصم الحلقة . قال أبو عبيد : وقال علقمة بن علاثة الجعفري ( 2 ) وكان من حكماء العرب :

--> ( 1 ) س : رقيقاً فيقلق ؛ ط : فيعلق . ( 2 ) من حكام الجاهلية وصاحب المنافرة المشهورة مع عامر بن الطفيل ، انظر الإصابة : 5669 والخزانة 3 : 492 والأغاني 15 : 50 .