أبو عبيد البكري الأندلسي الأونبي
330
فصل المقال في شرح كتاب الأمثال
ع : ذكر أن ملك الروم بعث إلى معاوية يسأله عن هذه المسائل : يسأله عن رجل سار به قبره ، وعن رجل لا قبلة له ، وعن خمسة أكلوا في الدنيا وحيوا لم يخلق واخد منهم في رحم ، وعن شيء ونصف شيء ولا شيء . وبعث بوفد يسمعون الجواب عنها ، فاستنظرهم معاوية وبعث إلى ابن عباس يسأله عنها ، فقال ابن عباس : أما من سار به قبره فيونس حين التقمه الحوت ، وأما من لا قبلة له فمن صعد فوق الكعبة فلا قبلة له حتى ينزل ، وأما الخمسة الأنفس الذين أكلوا في الدنيا وعاشوا لم يخلق واحد منهم في رحم فآدم وحواء وكبش إبراهيم أخرجه الله عز وجل من الجنة ، وناقة ثمود أخرجها الله من صخرة صماء ، وعصا موسى ألقاها من يده فانقلبت ( 1 ) حية تسعى ، والتقمت ما ألقى السحرة . وأما الشيء فالرجل العاقل العالم ترد عليه الأمور فيدبرها بعقله ويمضيها بعلمه . وأما نصف الشيء فالرجل الممضي لما علم المتثبت فيما جهل ترد عليه أمور يعجز عنها علمه ويقصر فهمه فيلجأ إلى ذوي العقول فيستشيرهم فلا تنتشر قواه ولا يتبع هواه . وأما لا شيء فالرجل الذي لا علم له ولا عقل ، ترد عليه الأمور فيتبع فيها هواه ، فيحل به رداه ، فلا تلقاه إلا حائراً ، ولا تجده إلا بائراً . فأخبرهم معاوية بذلك فقالوا : ما خرج هذا إلا من أهل نبي ، فقال معاوية : أجل ، هذا من كلام ابن عم نبينا صلى الله عليه وسلم . قالوا : فأذن لنا نأته ، فأذن لهم فأتوه فقال : أأنتم أصحاب السائل ؟ قالوا : نعم ، فقال : إن صاحبكم ذكر أنكم أفضل أهل دينكم ، قالوا : إن قومنا ليقولون ذلك . قال : فقد سألتمونا فأجبناكم ، فهل تجيبوننا إن سألناكم ؟ قالوا : سل . قال : أخبرونا عن موضعين أحدهما سهل والآخر جبل ، السهل لم تطلع عليه الشمس إلا ساعة من الدهر ، والجبل رفعه الله عز وجل عن الأرض بلا عمد تمسكه ، ولا سبب يحبسه . قالوا : ما لنا بذلك علم فأخبرنا . قال : السهل منفلق البحرين ( 2 ) لما فرقه الله تعالى لموسى ، لم تصل إليه الشمس قط إلا تلك الساعة ، والجبل هو الذي نتقه الله عز وجل فوق بني إسرائيل كأنه ظلة ، قالوا : صدقت ، وانصرفوا مغلوبين .
--> ( 1 ) ط : فعادت . ( 2 ) ط : البحر .