أبو عبيد البكري الأندلسي الأونبي

226

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال

موطأة لا ترغو ولا يسمع لها صوت ، فيشدها برحله ثم يقول للناس حين يكاد البرد يقتلهم : ألا من كان غازياً فليغز ، فلا يلحق به أحد ، فلما شب لقيم ابن أخته اتخذ راحلة ، فوطأها ، فلما كان حين نادى لقمان من كان غازياً فليغز ، قال لقيم : أنا معك إذا شئت ، فلما رآه شد رحلها ولم يسمع لها رغاء ، قال لقمان : " كأن برحلها باتت فقم " وفقم اسم ناقة لقيم ، ثم إنهما سارا فأغارا فأصابا إبلاً ثم انصرفا نحو أهلهما ، فنزلا فنحرا ناقة ، فقال لقمان للقيم : أتعشي أم أعشي ، فقال لقيم : أي ذلك شئت . قال لقمان : إذهب فعشها حتى ترى النجم قمة رأس ، وحتى ترى الجوزاء كأنها قطار ( 1 ) ، وحتى ترى الشعرى كأنها نار ، فإلا تكن عشيت فقد آنيت أي أخرت . وقال له لقيم : واطبخ أنت لحم جزورك فأز ماء واغله ( 2 ) حتى ترى الكراديس كأنها رؤوس رجال ( 3 ) صلع ، وحتى ترى الضلوع كأنها رؤوس نساء حواسر ، وحتى ترى الودك ( 4 ) كأنه قطا نوافر وكأن قدرك تدعو غنياً وغطفان ؟ يعني من شدة غليها ؟ فإن لم تكن أنضجت فقد آنيت . ثم انطلق لقيم في إبله يعشيها ، ومكث لقمان يطبخ لحمه ، فلما أظلم ، وهو بمكان يدعى شرجاً ؟ هو اليوم لبني عبس ؟ قطع سمرة ثم حفر دونه خندقاً فملأه ناراً ثم واراها ، فلما رجع لقيم إلى مكانهما عرفه وأنكر ذهاب السمر فقال " أشبه شرج شرجاً لو أن أسيمراً " فذهب ( 5 ) مثلاً ، ووقعت ناقة من إبله في تلك النار فنفرت ، وعرف لقيم أن لقمان إنما فعل ذلك ليصيبه ، حسداً منه له ، فسكت ، ووجد لقمان قد نظم في سيفه لحم الجزور وكبداً وسناماً حتى توارى سيفه وهو يريد إذا ذهب لقيم ليأخذه أن ينحره بالسيف ، ففطن لقيم وقال له : " في نظم سيفك ما يرى لقيم " فأرسلها مثلاً ، وقسما الإبل وافترقا .

--> ( 1 ) الضبي : كأنها قطا نوافر . ( 2 ) ص : فار ماء وغله ؛ ط : وعلة . ( 3 ) الضبي : شيوخ . ( 4 ) ط و : الضبي : الوذر ، وهي قطع اللحم ، والودك : الشحم . ( 5 ) ط : فذهبت .