أحمد بن محمد القسطلاني

139

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

على ما ذهب ( لكم ) : ولأبي ذر وابن عساكر : لقد كان لكم ( { في رسول الله أسوة } ) بضم الهمزة وكسرها قدوة ( { حسنة } ) [ الأحزاب : 21 ] وأشار بذلك إلى قصة مارية وفي حديث أنس عند النسائي بسند صحيح أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت له أمة يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها فأنزل الله تعالى هذه الآية { يا أيها النبي لم تحرم ما أحلّ الله لك } [ التحريم : 1 ] قال في الفتح : وهذا أصح طرق هذا السبب . نعم إذا أراد تحريم عينها كره وعليه كفارة يمين في الحال وإن لم يطأها وليس ذلك يمينًا لأن اليمين إنما تنعقد بأسماء الله وصفاته . وروى النسائي عن سعيد بن جبير أن رجلًا سأل ابن عباس فقال : إني جعلت امرأتي عليّ حرامًا . فقال : كذبت ليست عليك حرامًا ثم تلا : { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } . 5267 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا ، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْتَقُلْ : إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ . فَقَالَ : « لاَ ، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ » ، فَنَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } - إِلَى - { إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ } لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ } [ التحريم : 3 ] لِقَوْلِهِ : « بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا » . وبه قال : ( حدّثني ) بالإفراد ( الحسن بن محمد بن الصباح ) ولأبي ذر صباح الزعفراني الفقيه قال : ( حدّثنا حجاج ) هو ابن محمد الأعور ( عن ابن جريج ) عبد الملك بن عبد العزيز أنه قال ( قال : زعم عطاء ) هو ابن أبي رباح ( أنه سمع عبيد بن عمير ) بضم العين فيهما مصغرين الليثي المكي والزعم المراد به القول ( يقول : سمعت عائشة - رضي الله عنها - ) تقول ( إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يمكث عند زينب ابنة ) ولأبي ذر بنت ( جحش ) - رضي الله عنها - ( ويشرب عندها عسلًا فتواصيت ) بالصاد المهملة ( أنا وحفصة ) بنت عمر ( أنّ أيّتنا ) ولأبي ذر وابن عساكر أن أيّتنا بفتح الهمزة وتخفيف النون والرفع ( دخل عليها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلتقل ) له : ( إني لأجد منك ريح مغافير أكلت مغافير ) بالغين المعجمة والفاء بعدها تحتية ساكنة جمع مغفور بضم أوله . قال في القاموس : والمغافر والمغافير المغاثير يعني بالمثلثة بدل الفاء الواحد مغفر كمنبر ومغفر ومغفور بضمهما ومغفار ومغفير بكسرهما . وقال في مادة غ ث ر والمغثر كمنبر شيء ينضحه الثمام والعشر والرمث كالعسل الجمع مغاثير وأغثر الرمث سأل منه وتمغثر اجتناه انتهى . وقال ابن قتيبة : هو صمغ حلو له رائحة كريهة وذكر البخاري أنه شبيه بالصمغ يكون في الرمث بكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة من الشجر التي ترعاها الإبل . وأكلت استفهام محذوف الأداة . ( فدخل ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( على إحداهما ) قال ابن حجر : لم أقف على تعيينها وأظنها حفصة ( فقالت له ذلك ) القول الذي تواصيا عليه أكلت مغافير ( فقال : لا ) لم آكل مغافير ( بل شربت عسلًا ) ولأبي ذر لا بأس شربت عسلًا ( عند زينب بنت جحش ولن أعود له ) للشرب وزاد في رواية هشام بن يوسف في تفسير سورة التحريم ، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا ( فنزلت : { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } - إلى - ) قوله تعالى : ( { إن تتوبا إلى الله } ) أي ( لعائشة وحفصة ) وعند ابن عساكر هنا باب إن تتوبا إلى الله يعني لعائشة وحفصة ( { وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثًا } لقوله : بل شربت عسلًا ) . قال في الفتح : هذا القدر أي وإذ أسرّ النبي إلى آخره بقية الحديث وكنت أظنه من ترجمة البخاري حتى وجدته مذكورًا في آخر الحديث عند مسلم قال : وكان المعنى ، وأما المراد بقوله تعالى : { وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثًا } [ التحريم : 3 ] فهو لأجل قوله : بل شربت عسلًا . 5268 - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ الْعَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ ، وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ ، فَغِرْتُ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي ، أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ ، فَسَقَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ شَرْبَةً ، فَقُلْتُ : أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ ، فَقُولِي : أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ لاَ فَقُولِي لَهُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ ، فَقُولِي لَهُ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ ، وَسَأَقُولُ ذَلِكَ . وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ ذَاكِ . قَالَتْ : تَقُولُ سَوْدَةُ : فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِيَهُ بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ فَرَقًا مِنْكِ . فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ قَالَ : « لاَ » . قَالَتْ فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ ؟ قَالَ : « سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ » . فَقَالَتْ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ . فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ . فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلاَ أَسْقِيكَ مِنْهُ ؟ قَالَ : « لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ » . قَالَتْ : تَقُولُ سَوْدَةُ وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ قُلْتُ لَهَا : اسْكُتِي . وبه قال : ( حدّثنا ) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد ( فروة بن أبي المغراء ) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والمغراء بفتح الميم والراء بينهما غين ساكنة ممدود البيكندي الكوفي قال : ( حدّثنا علي بن مسهر ) الكوفي الحافظ ( عن هشام بن عروة عن أبيه ) عروة بن الزبير بن العوّام ( عن عائشة رضي الله عنها ) أنها ( قالت : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحب العسل والحلواء ) بالهمز والمد ولأبي ذر والحلوى بالقصر . قال في القاموس : والحلواء وتقصر ، وعند الثعالبي في فقه اللغة : أن حلوى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التي كان يحبها هي المجيع بالجيم بوزن عظيم قال :