أحمد بن محمد القسطلاني

133

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إنما تلك واحدة فارتجعها إن شئت فارتجعها " . وأجيب : بأن ابن إسحاق وشيخه مختلف فيهما مع معارضته بفتوى ابن عباس بوقوع الثلاث كما سيأتي إن شاء الله تعالى وبأنه مذهب شاذ فلا يعمل به إذ هو منكر ، والأصح ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة أن ركانة طلّق زوجته البتة فحلفه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه ما أراد إلا واحدة فردّها إليه ، فطلقها الثانية في زمن عمر ، والثالثة في زمن عثمان . قال أبو داود : وهذا أصح . وعورض بأنه نقل عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير كما نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق له ، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاوس وعمرو بن دينار ، بل في مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة . فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم ، وقال الشيخ خليل من أئمة المالكية في توضيحه : وحكى التلمساني عندنا قولًا بأنه إذا أوقع الثلاث في كلمة إنما يلزمه واحدة وذكر أنه في النوادر قال : ولم أره انتهى . والجمهور على وقوع الثلاث ، فعند أبي داود بسند صحيح من طريق ابن مجاهد قال : كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال : إنه طلّق امرأته ثلاثًا فسكت حتى ظننت أنه رادّها إليه ، ثم قال : ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول : يا ابن عباس يا ابن عباس إن الله قال : { ومن يتق الله يجعل له مخرجًا } [ الطلاق : 2 ] وأنت لم تتق الله فلم أجد لك مخرجًا عصيت ربك وبانت منك امرأتك . وقد روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الثلاث لمن أوقعها مجتمعة . وفي الموطأ بلاغًا قال رجل لابن عباس : إني طلّقت امرأتي مائة طلقة فماذا ترى ؟ فقال ابن عباس : طلّقت منك ثلاثًا ، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوًا ، وقد أجيب عن قوله كان طلاق الثلاثة واحدة بأن الناس كانوا في زمنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يطلقون واحدة ، فلما كانوا في زمان عمر كانوا يطلقون ثلاثًا . ومحصله أن المعنى أن الطلاق الموقع في زمن عمر ثلاثًا كان يوقع قبل ذلك واحدة لأنهم كانوا لا يستعجلون الثلاث وكانوا يستعملونها نادرًا وأما في زمن عمر فكثر استعمالهم لها . وأما قوله : فأمضاه عليهم فمعناه أنه صنع فه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله انتهى . وقال الشيخ كمال الدين بن الهمام : تأويله أن قول الرجل أنت طالق ، أنت طالق ، كان واحدة في الزمن الأول لقصدهم التأكيد في ذلك الزمان ثم صاروا يقصدون التجديد فالزمهم عمر بذلك لعلمه بقصدهم قال : وما قيل في تأويله أن الثلاث التي يوقعونها الآن إنما كانت في الزمن الأول واحدة تنبيه على تغير الزمان ومخالفة السُّنّة فيشكل ، إذ لا يتجه حينئذٍ قوله فأمضاه عمر ، واختلفوا مع الاتفاق على الوقوع ثلاثًا هل يكره أو يحرم أو يباح أو يكون بدعيًّا أو لا ؟ فقال الشافعية : يجوز جمعها ولو دفعة ، وقال اللخمي من أئمة المالكية : إيقاع الاثنتين مكروه : والثلاث ممنوع لقوله تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا } [ الطلاق : 1 ] أي من الرغبة في المراجعة والندم على الفرقة . ولنا قوله تعالى : { لا جناح عليكم إن طلّقتم النساء } [ البقرة : 236 ] و { إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } [ الطلاق : 1 ] وهذا يقتضي الإباحة ، وطلّق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حفصة وكان الصحابة يطلقون من غير نكير حتى روي أن مغيرة بن شعبة كان له أربع نسوة فأقامهن بين يديه صفًّا فقال : أنتنّ حسنات الأخلاق ، ناعمات الأوراق ، طويلات الأعناق ، اذهبن فأنتن الطلاق . وكل هذا يدل على الإباحة . نعم الأفضل عندنا أن لا يطلّق أكثر من واحدة ليخرج من الخلاف . وقال الحنفية : يكون بدعيًّا إذا أوقعه بكلمة لحديث ابن عمر عند الدارقطني قلت يا رسول الله : أرأيت لو طلّقتها ثلاثًا ؟ قال : " إذًا قد عصيت ربك وبانت منك امرأتك " ولأن الطلاق إنما جعل متعددًا ليمكنه التدارك عند الندم فلا يحلّ له تفويته . وفي حديث محمود