جلال الدين السيوطي
60
ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين ( ذم القضاء وتقلد الأحكام وذم المكس )
والتواضع للظالم لا يباح إلا بمجرد السلام . فأما تقبيل اليد والانحناء في الخدمة فمعصية . وقد بالغ بعض السلف ، حتى امتنع عن رد جوابهم في السلام . والإعراض عنهم استحقارا لهم من محاسن القربات . والجلوس على بساطهم ؛ إذا كان أغلب أموالهم حراما . وأما السكوت فإنه يرى في مجلسهم من الفرش الحرير ، وأواني الفضة والحرير والملبوس عليهم ، وعلى غلمإنهم ما هو حرام . وكل من رأى سيئة وسكت عليها ، فهو شريك في تلك السيئة . بل يسمع من كلامهم ما هو فحش ، وكذب وشتم ، وإيذاء ، والسكوت عن جميع ذلك حرام . فإن ما هو فحش ، وكذب وشتم ، وإيذاء ، والسكوت عن جميع ذلك حرام . فإن قلت : إنه يخاف على نفسه ، وهو معذور في السكوت فهذا حق ولكنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب ما لا يباح إلا بعذر ؛ فإنه لو لم يدخل ولم يشاهد لم يتوجه عليه الخطاب بالحسبة ، حتى يسقط عنه بالعذر . ومن علم فسادا في موضع ، وعلم أنه لا يقدر على إزالته لا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه ، وهو يشاهده ويسكت بل يحتزر عن مشاهدته . وأما القول : فإنه يدعو للظالم ، أو يثني عليه ، أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله ، أو بتحريك رأسه ، أو باستبشار في وجهه أو يظهر له الحب والموالاة ، والاشتياق إلى لقائه ، والحرص على طول عمره وبقائه . فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام ، بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذا الإمام . وأما دعاؤه فلا يحل له إلا أن يقول : ( أصلحك ، أو وفقك الله للخيرات أو طول الله عمرك في طاعته ) أو ما يجري في هذا المجرى . فأما الدعاء له بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة ، مع الخطاب بالمولى وما في معناه ، فغير جائز . وقال صلى الله عليه وسلم : ( من دعى لظالم بالبقاء ، فقد أحب أن يعصى الله في أرضه ) ( 16 ) . فإن جاوز الدعاء إلى الثناء فيذكر ما ليس فيه ، فيكون كاذبا أو منافقا أو مكرماً
--> ( 16 ) لم يصح مرفوعاً إنما هو من قول الحسن البصري ، أخرجه ابن أبي الدنيا ( 600 ) في الصمت ، وانظر : الفوائد المجموعة ( 211 ) الأسرار المرفوعة ( 344 ) ، كشف الخفاء ( 2 / 343 ) ، إتحاف السادة ( 6 / 133 ) .