أحمد بن محمد القسطلاني

69

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

عباس ) - رضي الله عنهما - أنه ( قال : كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يدني ) أي يقرب ( ابن عباس ) يريد نفسه ففيه التفات ( فقال له عبد الرحمن بن عوف ) الزهري لعمر ( إن لنا أبناء ) بالتنوين ( مثله ) في السن فلم تدنهم ( فقال ) : عمر ( إنه من حيث تعلم ) من جهة علمه ، ولأبي ذر فقال : إنه من كنت تعلم ( فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية ) { إذا جاء نصر الله والفتح } [ النصر : 1 ] ليريهم علمه وذكاءه ( فقال ) : ابن عباس هو ( أجل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعلمه ) الله ( إياه فقال ) : عمر لابن عباس ( ما أعلم منها إلا ما تعلم ) . قال العيني : ومطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله أعلمه إياه أي أعلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابن عباس أن هذه السورة في أجله عليه الصلاة والسلام وهو إخبار قبل وقوعه فوقع كما قال كذا قال فليتأمل . وفي حديث جابر عند الطبراني لما نزلت هذه السورة قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " نعيت إليّ نفسي " . فقال له جبريل : { وللآخرة خير لك من الأولى } [ الضحى : 4 ] . وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي والتفسير والترمذي في التفسير وقال : حسن ، وتأتي مباحثه في محالها إن شاء الله تعالى . 3628 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ الْغَسِيلِ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ : « خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ قَدْ عَصَّبَ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الأَنْصَارُ ، حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ . فَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - » . وبه قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين قال : ( حدّثنا عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة بن الغسيل ) المعروف بغسيل الملائكة قال : ( حدّثنا عكرمة ) مولى ابن عباس ( عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ) أنه ( قال : خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) من الحجرة إلى المسجد ( في مرضه الذي مات فيه بملحفة ) بكسر الميم وفتح الحاء المهملة مرتديًا بها على منكبيه ( قد عصب ) بتشديد الصاد المهملة في الفرع وأصله أي رأسه ( بعصابة دسماء ) سوداء ( حتى جلس على المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال ) : ( أما بعد فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار ) هو من الأخبار بالمغيبات فإن الناس كثروا وقلّ الأنصار كما قال عليه الصلاة والسلام ( حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام ) قال الكرماني : وجه التشبيه الإصلاح بالقليل دون الإفساد بالكثير أو كونه قليلاً بالنسبة إلى سائر أجزاء الطعام ( فمن ولي منكم شيئًا يضر فيه ) أي في الذي وليه ( قومًا وينفع فيه آخرين فليقبل من محسنهم ) الحسنة ( ويتجاوز ) بالجزم عطفًا على فليقبل أي فليعف ( عن مسيئهم ) السيئة أي في غير الحدود . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ( فكان ذلك آخر مجلس جلس به ) أي بالمنبر ولأبي ذر فيه ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . وقد مرّ الحديث في باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد من كتاب الجمعة . 3629 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - : « أَخْرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ الْحَسَنَ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ » . وبه قال : ( حدّثني ) بالإفراد ، ولأبي ذر : حدّثنا ( عبد الله بن محمد ) المسندي قال : ( حدّثنا يحيى بن آدم ) الكوفي صاحب الثوري قال : ( حدّثنا حسين الجعفي ) بضم الجيم وسكون العين المهملة وكسر الفاء ( عن أبي موسى ) إسرائيل بن موسى البصري ( عن الحسن ) البصري ( عن أبي بكرة ) بفتح الموحدة وسكون الكاف نفيع بن الحرث الثقفي ( - رضي الله عنه - ) أنه ( قال : أخرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات يوم الحسن ) بن علي - رضي الله عنهما - ( فصعد به المنبر ) بكسر عين صعد ( فقال ) : والحسن إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى : ( ابني هذا سيد ) كفاه شرفًا وفضلاً تسمية سيد البشر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له سيدًا ، وفيه أن ابن البنت يطلق عليه ابن ولا اعتبار يقول الشاعر : بنونا بنو أبنائنا وبناتنا . . . بنوهن أبناء الرجال الأباعد نعم هذا باعتبار الحقيقة والأول باعتبار المجاز . ( ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ) أي طائفتين . طائفة معاوية بن أبي سفيان وطائفة الحسن ، وكانت أربعين ألفًا بايعوه على الموت ، وكان الحسن أحق الناس بهذا الأمر فدعاه ورعه إلى ترك الملك رغبة فيما عند الله ولم يكن ذلك لعلة ولا لقلة . وقوله : من المسلمين دليل على أنه لم يخرج أحد من الطائفتين في تلك الفتنة من قول أو فعل عن الإسلام إذ إحدى الطائفتين مصيبة والأخرى مخطئة مأجورة ، وقد اختار السلف ترك الكلام