أحمد بن محمد القسطلاني
455
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الحد لما شرب الخمر وهو بدري وإنما لم يعاقب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حاطبًا ولا هجره لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشًا خشية على أهله وولده بخلاف تخلف كعب وصاحبيه فإنهم لم يكن لهم عذر أصلاً . قال كعب : ( فمضيت حين ذكروهما لي ) أي الرجلين ( ونهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ) بالرفع أي خصوصًا الثلاثة كقولهم : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة قال أبو سعيد السيرافي : إنه مفعول فعل محذوف أي أريد الثلاثة أي أخص الثلاثة ، وخالفه الجمهور وقالوا : أي منادى والثلاثة صفة له وإنما أوجبوا ذلك لأنه في الأصل كان كذلك فنقل إلى الاختصاص وكل ما نقل من باب إلى باب فإعرابه بحسب أصله كأفعال التعجب ( فاجتتبنا الناس ) بفتح الموحدة ( وتغيروا لنا حتى تنكرت ) أي تغيرت ( في نفسي الأرض فما هي ) الأرض ( التي أعرف ) لتوحشها عليّ ، وهذا يجده الحزين والمهموم في كل شيء حتى يجده في نفسه . قال السهيلي : وإنما اشتدّ الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين لأنهم بايعوا على ذلك ومصداق ذلك قولهم وهم يحفرون الخندق : نحن الذين بايعوا محمدا . . . على الجهاد ما بقينا أبدا فكان تخلفهم في هذه الغزوة كبيرة لأنه كالنكث لبيعتهم انتهى . وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ) استنبط منه جواز الهجران أكثر من ثلاث ، وأما النهي عن الهجر فوق ثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًا ( فأما صاحباي ) مرارة وهلال ( فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم ) أي أقواهم ( وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف ) أي أدور ( في الأسواق ، ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا ) إنما لم يجزم بتحريك شفتيه عليه الصلاة والسلام بالسلام لأنه لم يكن يديم النظر إليه من الخجل ( ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر ) بالسين المهملة والقاف أي أنظر إليه في خفية ( فإذا أقبلت على صلاتي أقبل ) عليه الصلاة والسلام ( إليّ وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس ) بفتح الجيم وسكون الفاء أي من إعراضهم ( مشيت حتى تسوّرت ) أي علوت ( جدار حائط أبي قتادة ) الحارث بن ربعي الأنصاري - رضي الله عنه - أي بستانه ( وهو ابن عمي ) لأنه من بني سلمة وليس هو ابن عمه أخي أبيه الأقرب ( وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما ردّ عليّ السلام ) لعموم النهي عن كلامهم ( فقلت : يا أبا قتادة أنشدك ) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أسألك ( بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت فعدت له فنشدته ) بفتح المعجمة فسألته بالله كذلك ( فسكت فعدت له فنشدته فقال : الله ورسوله أعلم ) وليس ذلك تكليمًا لكعب لأنه لم ينو به ذلك لأنه منهي عنه بل أظهر اعتقاده فلو حلف لا يكلم زيدًا فسأله عن شيء فقال : الله أعلم ولم يرد جوابه ولا إسماعه لا يحنث ( ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدار ) للخروج من الحائط . ( قال : فبينا ) بغير ميم ( أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي ) بفتح النون والموحدة وكسر الطاء المهملة ( من أنباط أهل الشام ) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة فلاح وكان نصرانيًا ولم يسم ( ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له ) إليّ يعني ولا يتكلمون بقولهم مثلاً هذا كعب مبالغة في هجره والإعراض عنه ( حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابًا من ملك غسان ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة جبلة بن الأيهم أو هو الحارث بن أبي شمر وعند ابن مردويه فكتب إليّ كتابًا في سرقة من حرير ( فإذا فيه : أمّا بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك