أحمد بن محمد القسطلاني

440

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

أمور دينهم وذلك مقتض لقساوة القلب على ما لا يخفى ( من حيث يطلع قرنا الشيطان ) اللعين بالتثنية جانبا رأسه لأنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس ، فإذا طلعت كانت بين قرنيه ( ربيعة ومضر ) بالجر بدلاً من الفدّادين غير منصرفين ، هما قبيلتان مشهورتان . ومرّ الحديث بأواخر بدء الخلق في باب خير مال المسلم غنم . 4388 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا ، الإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي أَصْحَابِ الإِبِلِ ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ » . وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وبه قال : ( حدّثنا محمد بن بشار ) بندار العبدي قال : ( حدّثنا ابن أبي عدي ) محمد واسم أبي عدي إبراهيم ( عن شعبة ) بن الحجاج ( عن سليمان ) الأعمش ( عن ذكوان ) أبي صالح السمان ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) يخاطب أصحابه وفيهم الأنصار : ( أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا ) . قال الخطابي : وصف الأفئدة بالرقة ، والقلوب باللين ، لأن الفؤاد غشاء القلب ، فإذا رق نفذ القول منه وخلص إلى ما وراءه ، وإذا غلظ بعد وصوله إلى داخل فإذا صادف القلب لينًا علق به وتجمع فيه . وقال القاضي البيضاوي : الرقة ضدّ الغلظ ، والصفاقة واللين مقابل القسوة فاستعيرت في أحوال القلب ، فإذا نبا عن الحق وأعرض عن قبوله ولم يتأثر بالآيات والنذر يوصف بالغلظ ، فكأن شغافه صفيق لا ينفذ فيه الحق وجرمه صلب لا يؤثر فيه الوعظ ، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرقة واللين ، فكأن حجابه رقيق لا يأبى نفوذ الحق وجوهره لين يتأثر بالنصح ، وللطيبي فيه قول آخر يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ، ولما وصفهم بذلك أتبعه بما هو كالنتيجة والغاية فقال عليه الصلاة والسلام : ( الإيمان يمان ) مبتدأ وخبر وأصله يمني بياء النسبة فحذفت الياء تخفيًا وعوّض عنها الألف أي الإيمان منسوب إلى أهل اليمن ، لأن صفاء القلب ورقته ولين جوهره يؤدّي به إلى عرفان الحق والتصديق به وهو الإيمان والانقياد ( والحكمة يمانية ) بتخفيف الياء فقلوبهم معادن الإيمان وينابيع الحكمة ( والفخر ) كالإعجاب بالنفس ( والخيلاء ) الكبر واحتقار الغير ( في أصحاب الإبل والسكينة ) المسكنة ( والوقار ) الخضوع ( في أهل الغنم ) . قال البيضاوي في تخصيص الخيلاء بالصحابي الإبل ، والوقار بأهل الغنم ما يدل على أن مخالطة الحيوان ربما تؤثر في النفس وتعدي إليها هيئات وأخلاقًا تناسب طباعها وتلائم أحوالها . ( وقال غندر ) محمد بن جعفر فيما وصله أحمد ( عن شعبة ) بن الحجاج ( عن سليمان ) الأعمش أنه قال : ( سمعت ذكوان ) الزيات ( عن أبي هريرة ) - رضي الله عنه - ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فذكر الحديث السابق وأعاده لتصريح الأعمش بسماعه من ذكوان . 4389 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « الإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْفِتْنَةُ هَا هُنَا هَا هُنَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ » . وبه قال : ( حدّثنا إسماعيل ) بن أبي أويس قال : ( حدثني ) بالإفراد ( أخي ) أبو بكر عبد الحميد ( عن سليمان ) بن بلال ( عن ثور بن زيد ) المدني لا الشامي ( عن أبي الغيث ) بالمعجمة المفتوحة والمثلثة بينهما ياء ساكنة سالم مولى عبد الله بن مطيع ( عن أبي هريرة ) - رضي الله عنه - ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( الإيمان يمان والفتنة هاهنا ) يعني نحو المشرق ( هاهنا يطلع قرن الشيطان ) بالإفراد ومرّ ما فيه قريبًا . 4390 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَضْعَفُ قُلُوبًا ، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً ، الْفِقْهُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ » . وبه قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع قال : ( أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة قال : ( حدّثنا أبو الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة ) - رضي الله عنه - ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) لأصحابه : ( أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبًا وأرق أفئدة ) قال في شرح المشكاة : يمكن أن يراد بالفؤاد والقلب ما عليه أهل اللغة من كونهما مترادفين فكرّر ليناط به معنى غير المعنى السابق ، فإن الرقة مقابلة للغلظ واللين مقابل للشدة والقسوة ، فوصف أوّلاً بالرقة ليشير إلى التخلق مع الناس وحسن العشرة مع الأهل والإخوان . قال تعالى : { ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك } [ آل عمران : 159 ] وثانيًا باللين ليؤذن بأن الآيات النازلة والدلائل المنصوبة ناجعة فيها وصاحبها مقيم على التعظيم لأمر الله . ( الفقه ) وهو إدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها ( يمان والحكمة يمانية ) ولأبوي