أحمد بن محمد القسطلاني
396
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
أداة النداء ( أكذاك تقول ؟ قلت : لا . قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعلمه الله له { إذا جاء نصر الله والفتح } ) [ النصر : 1 ] أي ( فتح مكة فذاك علامة أجلك ) أي موتك ( { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّابًا } ) ( النصر : 3 ] أمره تعالى بعد أن بذل المجهود فيما كلف به من تبليغ الرسالة ومجاهدة أعداء الدين بالإقبال على التسبيح والاستغفار والتأهب للمسير إلى المقامات العليا واللحوق بالرفيق الأعلى ، وهذا المعنى هو الذي فهمه منها ابن عباس حتى ردّ به على أولئك المشايخ وقال : أجل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصدقه عمر كما قال : ( قال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم ) وروي أن عمر لما سمعها بكى وقال : الكمال دليل الزوال . 4295 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ : ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغَدَ مِنْ يَوْمَ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ ، إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : « إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، لاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، وَلاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ، فَقُولُوا لَهُ : إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ » فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ مَاذَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو ؟ قَالَ : قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ عَاصِيًا وَلاَ فَارًّا بِدَمٍ وَلاَ فَارًّا بِخَرْبَةٍ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الخَرْبَةُ : الْبَلِيَّةُ . وبه قال : ( حدّثنا سعيد بن شرحبيل ) بالشين المعجمة المضمومة والراء المفتوحة بعدها حاء مهملة ساكنة فموحدة مكسورة الكندي الكوفي قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد الإمام ولأبي ذر : ليث ( عن المقبري ) بفتح الميم وسكون القاف وضم الموحدة سعيد بن كيسان وكان يسكن عند المقبرة فنسب إليها ( عن أبي شريح ) بالشين المعجمة المضمومة أوله والحاء المهملة آخره خويلد بضم الخاء مصغرًا ( العدوي ) بفتح المهملتين وكسر الواو ( إنه قال لعمرو بن سعيد ) بفتح العين وسكون الميم ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأشدق وكان أمير المدينة ( وهو يبعث البعوث إلى مكة ) : لغزو عبد الله بن الزبير لامتناعه من مبايعة يزيد بن معاوية ( ائذن لي أيها الأمير أحدثك ) بالجزم جواب الأمر ( قولاً قام به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الغد ) ظرف وهو اليوم الثاني ( من يوم الفتح ) ولغير أبي ذر يوم الفتح بإسقاط الجار ( سمعته أذناي ووعاه ) أي حفظه ( قلبي ) وتحقق فهمه ( وأبصرته عيناي ) بتاء التأنيث كسمعته أي فلم يسمعه من وراء حجاب بل مع الرؤية والمشاهدة ( حين تكلم به ) عليه الصلاة والسلام ( إنه ) بكسر الهمزة وسقطت الكلمة لغير أبي ذر ( حمد الله وأثنى عليه ) من عطف العام على الخاص ( ثم قال ) : ( إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ) من قبل أنفسهم بل بتحريم الله بوحي ( لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ) بغير حق ( ولا يعضد ) بفتح الياء وكسر الضاد أي لا يقطع ( بها شجرًا فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي لأجل قتاله ( فيها ) مستدلاً بذلك ( فقولوا له ) ليس الأمر كذلك ( إن الله أذن لرسوله ) خموصية له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ) تعالى في القتال ( فيها ) ولأبي ذر له فيه أي في القتال ( ساعة من نهار ) وهي من طلوع الشمس إلى العصر فكانت مكة في حقه عليه الصلاة والسلام في تلك الساعة بمنزلة الحل ( وقد عادت حرمتها اليوم ) يوم الفتح لا في غيره ( كحرمتها بالأمس ) الذي قبل يوم الفتح ( وليبلغ الشاهد ) أي الحاضر ( الغائب ) ( فقيل لأبي شريح ) المذكور ( ماذا قال لك عمرو ) ؟ أي ابن سعيد المذكور ( قال ) أبو شريح : ( قال ) عمرو : ( أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ ) بالذال المعجمة أي لا يعصم ( عاصيًا ) من إقامة الحد عليه ( ولا فارًا ) بفاء وراء مشددة ( بدم ) أي مصاحبًا لدم ملتجئًا إلى المحرم بسبب خوفه من إقامة الحد عليه ( ولا فارًا بخربة ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة أي بسبب خربة وللأصيلي بخربة بضم الخاء ولغيره بفتحها وصوبه بعضهم كما قاله القاضي عياض . ( قال أبو عبد الله ) البخاري ( الخربة ) أي ( البلية ) وهذا ثابت لأبي ذر وحده . وهذا الحديث سبق في باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب من كتاب العلم . 4296 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهْوَ بِمَكَّةَ : ( إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ ) . وبه قال : ( حدّثنا قتيبة ) بن سعد قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد ، ولأبي ذر ليث ( عن يزيد بن أبي حبيب ) الأزدي أبي رجاء عالم مصر ( عن عطاء بن أبي رباح ) بفتح الراء والموحدة المخففة ( عن جابر بن عبد الله ) الأنصاري ( - رضي الله عنهما - أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول عام الفتح وهو بمكة ) : ( إن الله ورسوله حرم بيع الخمر ) بإفراد الفعل والأصل أن يقول : حرما لأنهما في التحريم واحد .