أحمد بن محمد القسطلاني

379

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

أبيه . 43 - باب عُمْرَةُ الْقَضَاءِ ذَكَرَهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( باب عمرة القضاء ) . قال السهيلي : سميت عمرة القضاء لأنه قاضى فيها قريشًا لا أنها قضاء عن عمرة الحديبية التي صدّ عنها لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها بل كانت عمرة تامة ، ولذا عدّت في عمره عليه الصلاة والسلام ، وقيل بل هي قضاء عنها ، وإنما عدوها في عمره لثبوت الأجر فيها لا لأنها كملت وهو مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصدَّ عن البيت ، والجمهور على وجوب الهدي من غير قضاء ، وعن أبي حنيفة عكسه ، ولأبي ذر عن المستملي : غزوة القضاء وتوجيه كونها غزوة أنه عليه الصلاة والسلام خرج مستعدًّا بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر ، ولا يلزم من إطلاق الغزوة وقوع المقاتلة ، وسقط لفظ باب لأبي ذر فالتالي مرفوع . ( ذكره ) أي حديث عمرة القضاء ( أنس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه لما دخل مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وهو يقول : خلوا بني الكفار عن سبيله . . . قد أنزل الرحمن في تنزيله بأن خير القتل في سبيله . . . نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله رواه عبد الرزاق ، ورواه ابن حبان في صحيحه بزيادة وهي : ويذهل الخليل عن خليله . . . يا رب إني مؤمن بقيله فقال عمر - رضي الله عنه - : يا ابن رواحة أتقول الشعر بين يدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " دعه يا عمر فهذا أشد عليهم من وقع النبل " . 4251 - حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ - رضي الله عنه - قَالَ : لَمَّا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَالُوا : لاَ نُقِرُّ بِهَذَا لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ شَيْئًا وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : « أَنَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ » ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ « امْحُ رَسُولَ اللَّهِ » قَالَ عَلِيٌّ : لاَ وَاللَّهِ لاَ أَمْحُوكَ أَبَدًا فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكِتَابَ وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ فَكَتَبَ « هَذَا مَا قَاضَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لاَ يُدْخِلُ مَكَّةَ السِّلاَحَ إِلاَّ السَّيْفَ فِي الْقِرَابِ ، وَأَنْ لاَ يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ وَأَنْ لاَ يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا » ، فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الأَجَلُ أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا : قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي يَا عَمِّ يَا عَمِّ فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ - عَلَيْهَا السَّلاَمُ - : دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ ، حَمَلَتْهَا فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ قَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَخَذْتُهَا وَهْيَ بِنْتُ عَمِّي وَقَالَ جَعْفَرٌ : هِيَ ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي وَقَالَ زَيْدٌ : ابْنَةُ أَخِي فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَالَتِهَا وَقَالَ : « الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ » وَقَالَ لِعَلِيٍّ : « أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ » وَقَالَ لِجَعْفَرٍ : « أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي » وَقَالَ لِزَيْدٍ : « أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلاَنَا » وَقَالَ عَلِيٌّ أَلاَ تَتَزَوَّجُ بِنْتَ حَمْزَةَ قَالَ : « إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ » . وبه قال : ( حدثني ) بالإفراد ولأبي ذر عن المستملي : حدّثنا ( عبيد الله بن موسى ) بضم العين ابن باذام الكوفي ( عن إسرائيل ) بن يونس ( عن ) جده ( أبي إسحاق ) عمرو بن عبد الله السبيعي ( عن البراء ) بن عازب ( - رضي الله عنه - ) أنه ( قال : لما ) بتشديد الميم وسقطت لما لابن عساكر ( اعتمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي أحرم بالعمرة ( في ذي القعدة ) سنة ست من الهجرة وبلغ الحديبية ( فأبى ) أي امتنع ( أهل مكة أن يدعوه ) بفتح الدال أن يتركوه ( يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام ) من العام المقبل ( فلما كتبوا ) أي المسلمون ( الكتاب ) ولأبي ذر عن الكشميهني : فلما كتب الكتاب بضم الكاف مبنيًّا للمفعول والكاتب علي بن أبي طالب ( كتبوا : هذا ما قاضى ) ولأبي ذر عن الكشميهني : ما قاضانا ( عليه محمد رسول الله ) قال ابن حجر : ورواية الكشميهني غلط وكأنه لما رأى قوله كتبوا ظن أن المراد قريش وليس كذلك بل المراد المسلمون ونسبة ذلك إليهم وإن كان الكاتب واحدًا مجازية ( قالوا : لا نقرّ بهذا ) ولأبي ذر عن الكشميهني : لا نقر لك بهذا ( لو نعلم أنك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما منعناك شيئًا ) وعند النسائي : ما منعناك بيته ( ولكن أنت محمد بن عبد الله فقال ) : ( أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ثم قال لعلي : امح ) ولأبي ذر وابن عساكر : لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - امح ( رسول الله ) أي الكلمة المكتوبة من الكتاب ( قال عليّ ) سقط لفظ عليّ لأبي ذر وابن عساكر ( لا والله لا أمحوك أبدًا ، فأخذ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الكتاب وليس يحسن يكتب ) فقال لعلي : أرني مكانها فمحاها فأعادها لعلي ( فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله ) . وبهذا التقرير يزول استشكال ظاهره المقتضي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب المستلزم لكونه غير أمي وهو يناقض الآية التي قامت بها الحجة وأفحمت الجاحد ، وقيل المراد بقوله كتب أمر بالكتابة فإسناد الكتابة إليه مجاز وهو كثير كقولهم : كتب إلى كسرى ، وكتب إلى قيصر فقوله : كتب أي أمر عليًّا أن يكتب ، وأما إنكار بعض المتأخرين على أبي مسعود نسبتها إلى تخريج البخاري فليس بشيء فقد علم ثبوتها فيه ، وكذا أخرجها النسائي عن أحمد بن سليمان عن عبيد الله بن موسى ، وكذا أحمد عن يحيى بن المثنى عن إسرائيل ولفظه : فأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب مكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -