أحمد بن محمد القسطلاني

362

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( ثم قال ) عليه الصلاة والسلام لما أشرف على خيبر : ( الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ) المخصوص بالذم محذوف أي فساء صباح المنذرين صباحهم ( فخرجوا ) أي يهود خيبر حال كونهم ( يسعون في السكك ) أي في أزقة خيبر ويقولون : محمد والخميس فقاتلهم عليه الصلاة والسلام حتى ألجأهم إلى قصرهم فصالحوه على أن له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصفراء والبيضاء والحلقة ولهم ما حملت ركابهم ، وعلى أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكًا لحيي بن أخطب فيه حليهم فقال عليه الصلاة والسلام : " أين مسك حيي بن أخطب " قالوا : أذهبته الحروب والنفقات فوجدوا المسك ( فقتل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المقاتلة ) بكسر التاء الأولى أي الرجال ( وسبى الذرية وكان في السبي صفية ) بنت حيي ( فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فتزوجها ( فجعل عتقها صداقها ) خصوصية له عليه الصلاة والسلام ( فقال عبد العزيز بن هيب لثابت : يا أبا محمد آنت ) بمد الهمزة ( قلت لأنس ما أصدقها ) عليه الصلاة والسلام ( فحرّك ثابت رأسه تصديقًا له ) . وهذا الحديث سبق في صلاة الخوف في باب التكبير والغلس . 4201 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ : سَبَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَفِيَّةَ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا ، فَقَالَ ثَابِتٌ لأَنَسٍ : مَا أَصْدَقَهَا ؟ قَالَ : أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا فَأَعْتَقَهَا . وبه قال : ( حدّثنا آدم ) بن أبي إياس قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن عبد العزيز بن صهيب ) أنه ( قال : سمعت أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول : سبى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صفية ) سيدة قريظة والنضير وعند ابن إسحاق أنها سبيت من حصن القموص ( فأعتقها وتزوجها ) بغير مهر قال ابن الصلاح : معناه أن العتق حل محل الصداق وإن لم يكن صداقًا ( فقال ) : ولأبي ذر قال : ( ثابث ) البناني ( لأنس : ما أصدقها ؟ قال : أصدقها نفسها فأعتقها ) . وهذا ظاهر جدًّا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق وهو من خصائصه وممن جزم بذلك الماوردي . 4202 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا ، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَسْكَرِهِ ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلاَ فَاذَّةً إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ ، فَقِيلَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ » فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : أَنَا صَاحِبُهُ ، قَالَ : فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ : فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ : « وَمَا ذَاكَ » ؟ قَالَ : الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ : « إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنَ أَهْلِ النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ » . وبه قال : ( حدّثنا قتيبة ) بن سعيد قال : ( حدّثنا يعقوب ) بن عبد الرحمن الإسكندراني ( عن أبي حازم ) سلمة بن دينار ( عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التقى هو والمشركون ) أي في خيبر كما في حديث أبي هريرة اللاحق لهذا الحديث ( فاقتتلوا فلما مال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى عسكره ) أي رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم ( ومال الآخرون ) أهل خيبر ( إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجل ) قيل هو قزمان بضم القاف وسكون الزاي الظفري بفتح المعجمة والفاء نسبة لبني ظفر بطن من الأنصار ، وكنيته أبو الغيداق بغين معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة آخره قاف ( لا يدع لهم ) أي لا يترك لليهود نسمة ( شاذة ) بثين وذال مشددة معجمتين التي تكون مع الجماعة ثم تفارقهم ( ولا فاذة ) بالفاء والمعجمة المشددة أيضًا التي لم تكن اختلطت بهم أصلاً والمعنى أنه لا يرى نفسه نسمة منهم ( إلا اتبعها ) بتشديد الفوقية ( يضربها بسيفه ) يقتلها ( فقيل ) وللأصيلي فقالوا ولابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذر عن الحموي والمستملي فقال : ولأبي ذر عن الكشميهني فقلت : قال في الفتح : فإن كانت هذه محفوظة فالقائل سهل بن سعد الساعدي ( ما أجزأ ) بجيم وزاي أي ما أغنى ( منا اليوم أحد كما أجزأ فلان ) هو على سبيل المبالغة فقد كان في القوم من كان فوقه في ذلك ( فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( أما ) بالتخفيف استفتاحية فتكسر الهمزة من قوله ( أنه من أهل النار ) لنفاقه باطنًا . وعند الطبراني من حديث أكتم الخزاعي قلنا : يا رسول الله إذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النار فأين نحن ؟ قال : " ذلك اخبأت النفاق " ( فقال رجل من القوم ) : هو أكتم بن أبي الجون الخزاعي ( أنا صاحبه ) أي لأتبعه كما في الرواية الأخرى ( قال : فخرج معه كلما وقف وقف معه ، وإذا أسرع أسرع معه قال : فجرح الرجل ) قزمان ( جرحًا شديدًا فاستعجل الموت فوضع سيفه بالأرض وذبابه ) بمعجمة مضمومة أي طرفه ( بين ثدييه ثم تحامل ) مال ( على سيفه ) زاد أكتم حتى خرج من ظهره ( فقتل نفسه