أحمد بن محمد القسطلاني
254
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
القليب المذكور كان قد حفره رجل من بني النار فناسب أن يلقى فيه هؤلاء الكفار ( وكان ) النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إذا ظهر ) أي غلب ( على قوم أقام بالعرصة ) بفتح العين وسكون الراء كل موضع واسع لا بناء فيه ( ثلاث ليال ، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر ) عليه الصلاة والسلام ( براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه ) بفتح الفوقية وكسر الموحدة في الفرع والذي في أصله والناصرية واتبعه بألف وصل وسديد الفوقية وفتح الموحدة ( وقالوا : ما نرى ) بضم النون ما نظن ( ينطلق ) عليه الصلاة والسلام ( إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركيّ ) أي طرف البئر ولأبي ذر : شفير بدل شفة الركي بفتح الراء وكسر الكاف التحتية البئر قبل أن تطوى ويجمع بينه وبين السابق بأنها كانت مطوية فاستهدمت فصارت كالركي ( فجعل ) عليه الصلاة والسلام ( يناديهم ) أي قتلى كفار قريش ( بأسمائهم وأسماء آبائهم ) توبيخًا لهم ( يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان ) . وفي رواية حميد عن أنس - رضي الله عنه - عند أحمد وابن إسحاق فنادى : يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أمية بن خلف ويا أبا جهل بن هشام ، ولم يكن أمية بن خلف في القليب لأنه كان ضخمًا فانتفخ فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيّبه ، فالظاهر أنه كان قريبًا من القليب فناداه مع من نادى من رؤسائهم ( أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا ) من الثواب ( حقًّا ) قال : ( فهل وجدتم ما وعد ربكم ) ؟ من العذاب ( حقًّا ) وتقديره وعدكم ربكم فحذف كم لدلالة ما وعدنا ربنا عليه ( قال ) أبو طلحة : ( فقال عمر ) بن الخطاب - رضي الله عنه - مستفهمًا ( يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ) ولأبي ذر عن الكشميهني فيها ( فقال رسول الله ) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) من القتلى الذين ألقوا في القليب . ( قال قتاة ) : بالإسناد السابق ( أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( توبيخًا وتصغيرًا ونقمة ) كذا بفتح النون وكسر القاف مصححًا عليهما في حاشية اليونينية في أصلهما نقيمة بزيادة تحتية ساكنة بعد القاف لكنه ضبب عليها وفي الناصرية نقمة بكسر النون وسكون القاف ( وحسرة وندمًا ) أي لأجل التوبيخ فالمنصوبات للتعليل ومراد قتادة بهذا التأويل الردّ على من أنكر أنهم لا يسمعون . 3977 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - { الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا } [ إبراهيم : 28 ] قَالَ : هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ . قَالَ عَمْرٌو : هُمْ قُرَيْشٌ ، وَمُحَمَّدٌ نِعْمَةُ اللَّهِ { وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ } [ إبراهيم : 28 ] قَالَ : النَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ . [ الحديث 3977 - طرفه في : 4700 ] . وبه قال : ( حدّثنا الحميدي ) عن عبد الله بن الزبير قال : ( حدّثنا سفيان ) بن عيينة قال : ( حدّثنا عمرو ) بفتح العين ابن دينار ( عن عطاء ) هو ابن أنس رباح ( عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ) أنه قال في تفسير قوله تعالى : ( { والذين بدلوا نعمة الله كفرًا } ) [ إبراهيم : 28 ] ( قال : هم والله كفار قريش ) بدلوا أي غيروا نعمة الله عليهم في محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حيث ابتعثه منهم كفروا به ( قال عمرو ) : هو ابن دينار ( هم قريش ومحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نعمة الله ) أنعم به عليهم فكفروا نعمة الله عز وجل ( { وأحلوا قومهم } ) الذين تابعوهم على الكفر ( { دار البوار } ) [ إبراهيم : 28 ] ( قال ) عمرو مما هو موقوف عليه كالسابق : ( النار ) نصب على المفعولية ( يوم بدر ) ظرف لأحلوا . 3978 - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ » . فَقَالَتْ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآنَ » . 3979 - قَالَتْ : وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ : « إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ إِنَّمَا قَالَ : إِنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ » . ثُمَّ قَرَأَتْ { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى } [ النمل : 80 ] وَ { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } [ فاطر : 35 ] . تَقُولُ حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ . وبه قال : ( حدثني ) بالإفراد ( عبيد بن إسماعيل ) الهباري القرشي قال : ( حدّثنا أبو أسامة ) حماد بن أسامة ( عن هشام عن أبيه ) عروة أنه ( قال : ذكر ) بضم الذال المعجمة وكسر الكاف ( عند عائشة - رضي الله عنها - أن ابن عمر رفع إلى النبي ) أي قال قال النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إن الميت يعذب ) بفتح الذال المعجمة ولأبي ذر ليعذب ( في قبره ببكاء أهله ) عليه . ولمسلم عن عمرة عن عائشة - رضي الله عنها - أنها ذكر عندها أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يقول : إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه أي سواء كان الباكي من أهل الميت أم لا . فليس الحكم مختصًّا بأهله فقوله هنا ببكاء أهله خرج مخرج الغالب ( فقالت : إنما ) ولأبي ذر عن الكشميهني فقالت : وهل بكسر الهاء أي غلط وبفتحها نسي ابن عمر - رحمه الله - إنما ( قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ) أي والحال