أحمد بن محمد القسطلاني
172
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
مرفوع نائب عن الفاعل . قال ابن الأثير : السفرة طعام يتخذه المسافر وأكثر ما يحمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمي به كما سميت المزادة راوية وغير ذلك من الأسماء المنقولة . قال ابن بطال وكانت هذه السفرة لقريش ( فأبى ) زيد بن عمرو بن نفيل ( أن يأكل منها . ثم قال زيد ) مخاطبًا للذين قدموا السفرة ( إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ) جمع نصب بالمهملة وضمتين وهي أحجار كانت حول الكعبة يذبحون عليها للأصنام ( ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه ) . واستشكل بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان أولى بذلك من زيد . وأجيب : بأنه ليس في الحديث أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكل منها ، وعلى تقدير كونه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكل منها فزيد إنما فعل ذلك برأي رآه لا بشرع بلغه ، وإنما كان عند أهل الجاهلية بقايا من دين إبراهيم ، وكان في شرع إبراهيم تحريم الميتة لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه ، وتحريم ما لم يذكر اسم الله عليه وإنما نزل في الإسلام ، والأصح أن الأشياء قبل الشرع لا توصف بحل ولا حرمة قاله السهيلي . وقول ابن بطال : وكانت السفرة لقريش فقدموها للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأبى أن يأكل منها فقدمها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لزيد بن عمرو فأبى أن يأكل منها تعقبه في الفتح فقال : هو محتمل لكن لا أدري من أين له هذا الجزم بذلك فإني لم أقف عليه في رواية أحد . وقال الخطابي : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يأكل مما يذبحون للأصنام ويأكل مما عدا ذلك وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه ، وإنما فعل ذلك زيد برأي رآه لا بشرع بلغه قاله السهيلي . واستضعف بأن الظاهر أنه كان في شرع إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحريم ما ذبح لغير الله لأنه كان عدو الأصنام . وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الصيد . ( وأن ) بفتح الهمزة ولأبي ذر فإن ( زيد بن عمرو ) المذكور ( كان يعيب ) بفتح أوله ( على ٌقريش ذبائحهم ) التي يذبحونها لغير الله ( ويقول ) لهم : ( الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء ) لتشربه ( وأنبت لها من الأرض ) الكلأ لتأكله ( ثم تذبحونها على غير اسم الله إنكارًا لذلك ) الفعل ( وإعظامًا له ) ونصب إنكارًا على التعليل وإعظامًا عطف عليه . وقوله : وأن زيدًا موصول بالإسناد المذكور . وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الذبائح والنسائي في المناقب . 3827 - قَالَ مُوسَى : حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - وَلاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ تُحُدِّثَ بِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ فَقَالَ : إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي . فَقَالَ : لاَ تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ . قَالَ زَيْدٌ : مَا أَفِرُّ إِلاَّ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ ، وَلاَ أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ ؟ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ ؟ قَالَ : مَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا . قَالَ زَيْدٌ : وَمَا الْحَنِيفُ ؟ قَالَ : دِينُ إِبْرَاهِيمَ ؛ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلاَ يَعْبُدُ إِلاَّ اللَّهَ . فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَقَالَ : لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ . قَالَ : مَا أَفِرُّ إِلاَّ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ ، وَلاَ أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلاَ مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا ، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ ؟ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ ؟ قَالَ : مَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا . قَالَ : وَمَا الْحَنِيفُ ؟ قَالَ : دِينُ إِبْرَاهِيمَ ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلاَ يَعْبُدُ إِلاَّ اللَّهَ . فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - خَرَجَ ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ " . ( قال موسى ) بن عقبة بالإسناد المذكور ( حدّثني ) بالإفراد ( سالم بن عبد الله ) بن عمر بن الخطاب ( ولا أعلمه إلا تحدث ) بضم الفوقية والحاء وكسر الدال المهملة مبنيًّا للمفعول ويجوز الفتح فيهما مبنيًّا للفاعل وفي نسخة ألا يحدث بضم التحتية وفتح الحاء والدال وضم المثلثة ( به عن ابن عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج ) من مكة ( إلى الشام يسأل عن الدين ) أي دين التوحيد ( ويتبعه ) بسكون الفوقية في الفرع وأصله وعليها علامة أبي ذر ، وفي الفتح ويتبعه بتشديدها من الاتباع ، وللكشميهني ويبتغيه بتحتية وفوقية مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة وغين معجمة بعدها تحتية ساكنة أي يطلبه ( فلقي عالمًا من اليهود ) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : لم أقف على اسمه ( فسأله عن دينهم فقال ) له : ( إني لعلى ) لعل واسمها وخبرها قوله : ( أن أدين دينكم فأخبرني ) عن شأن دينكم ( فقال ) له اليهودي : ( لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله ) أي من عذابه ( قال زيد : ما أفر ) بالفاء ( إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا وأنا أستطيعه ) أي والحال أن لي قدرة على عدم حمل ذلك ، وفي اليونينية وأنى أستطيعه بتشديد النون مفتوحة استفهامية ( فهل تدلني على غيره ) من الأديان ( قال ) له : ( ما أعلمه إلا أن يكون ) دينًا ( حنيفًا . قال زيد : وما ) الدين ( الحنيف ؟ قال ) : اليهودي هو ( دين إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًّا ولا يعبد إلا الله ) وحده لا شريك له ( فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى ) لم يقف الحافظ ابن حجر على اسمه أيضًا ( فذكر مثله ) أي مثل ما ذكر لعالم اليهود ( فقال ) له : ( لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله )