أحمد بن محمد القسطلاني
145
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
غيرهم من نصرته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإيوائه وإيواء من معه ومؤاساتهم بأنفسهم وأموالهم ، وكان القياس أن يقال : ناصري فقالوا : أنصاري كأنهم جعلوا الأنصار اسم المعنى . فإن قلت : الأنصار جمع قلة فلا يكون لما فوق العشرة وهم ألوف . أجيب : بأن جمعي القلة والكثرة إنما يعتبران في نكرات المجموع ، أما في المعارف فلا فرق بينهما ، والأنصار هم ولد الأوس والخزرج وحلفاؤهم أبناء حارثة بن ثعلبة وهو اسم إسلامي ، واسم أمهم قيلة بالقاف المفتوحة والتحتية الساكنة وسقط باب لأبوي ذر والوقت فمناقب بالرفع على ما لا يخفى . ( وقول الله عز وجل ) { والذين آووا ونصروا } [ الأنفال : 72 ] ( { والذين تبوأوا الدار والإيمان } ) أي لزموهما وتمكنوا فيهما أو تبوأوا دار الهجرة ودار الإيمان فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه من الأول ، وعوض عنه اللام أو تبوأوا دار الهجرة وأخلصوا الإيمان كقوله : علفتها تبنًا وماءً باردًا أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مظهره ( { من قبلهم } ) من قبل هجرة المهاجرين وهم الأنصار ( { يحبون من هاجر إليهم } ) ولا يثقل عليهم ( { ولا يجدون في صدورهم } ) من أنفسهم ( { حاجة مما أوتوا } ) [ الحشر : 9 ] مما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره وبقية الأوصاف ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . قال في فتوح الغيب : وحاصل الوجوه الأربعة يعود إلى أن عطف الإيمان على الدار إما من باب التقدير أو من باب الانسحاب ، والإيمان إما مجرى على حقيقته أو استعارة ، ففي الوجه الأول الإيمان حقيقة والعطف من باب التقدير لكن يقدر بحسب ما يناسبه ، وكذلك في الوجه الثالث العطف فيه للتقدير لكن بحسب السابق ، وفي الثاني والرابع العطف على الانسحاب والإيمان على الوجه الثاني استعارة مكنية ، وعلى الثالث مجاز أضيف بأدنى ملابسة ، وعلى الرابع استعارة مصرحة تحقيقية فشبه في الوجه الأول الإيمان من حيث إن المؤمنين من الأنصار تمكنوا فيه تمكن المالك المتسلط في مكانه ومستقره بمدينة من المدائن الحصينة بنوابعها ومرافقها ، ثم قيل إن الإيمان مدينة بعينها تخييلاً محضًا فأطلق على المتخيل باسم الإيمان المشبه وجعلت القرينة نسبة التبوّء اللازم للمشبه به على سبيل الاستعارة التخييلية لتكون مانعة لإرادة الحقيقة ، وعلى الرابع شبهت طيبة لكونها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان بالتصديق الصادر من المخلص المحلى بالعمل الصالح ، ثم أطلق الإيمان على مدينته عليه الصلاة والسلام بوساطة نسبة التبوّء إليه وهي استعارة مصرحة تحقيقية لأن المشبه المتروك وهو المدينة حسي والجامع النجاة من مخاوف الدارين ، ففي الأول المبالغة والمدح يعود إلى سكان المدينة أصالة ، وفي الثاني بالعكس . والأول أدعى لاقتضاء المقام لأن الكلام وارد في مدح الأنصار الذين بذلوا مهجهم وأموالهم في نصرة الله ونصرة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهم الذين آووه ونصروه وسقط لأبي ذر قوله : ( يحبون ) الخ وقال بعد قوله : ( { من قبلهم } [ الحشر : 9 ] الآية . 3776 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا غَيْلاَنُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : " قُلْتُ لأَنَسٍ : أَرَأَيْتَ اسْمَ الأَنْصَارِ كُنْتُمْ تُسَمَّوْنَ بِهِ ، أَمْ سَمَّاكُمُ اللَّهُ ؟ قَالَ : بَلْ سَمَّانَا اللَّهُ . كُنَّا نَدْخُلُ عَلَى أَنَسٍ فَيُحَدِّثُنَا بمَنَاقِبَ الأَنْصَارِ وَمَشَاهِدَهُمْ ، وَيُقْبِلُ عَلَيَّ أَوْ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَزْدِ فَيَقُولُ : فَعَلَ قَوْمُكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا " . [ الحديث 3776 - طرفه في : 3844 ] . وبه قال : ( حدّثنا موسى بن إسماعيل ) التبوذكي قال : ( حدّثنا مهدي بن ميمون ) المعولي بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو البصري وسقط ابن ميمون لأبي ذر قال : ( حدّثنا غيلان بن جرير ) بفتح الغين المعجمة في الأول والجيم في الثاني المعولي البصري ( قال : قلت لأنس ) هو ابن مالك - رضي الله عنه - ( أرأيت ) أي أخبرني ، ولأبي الوقت : أرأيتم أي أخبروني ( اسم الأنصار كنتم ) ولأبي الوقت : أكنتم ( تسمون به ) بفتح السين المهملة والميم المشددة قبل القرآن ( أم سماكم الله ؟ ) عز وجل به ( قال ) أنس - رضي الله عنه - : ( بل سمانا الله ) زاد أبو ذر عز وجل أي به كما في قوله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } [ التوبة : 100 ] قال غيلان : ( كنا ندخل على أنس ) - رضي الله عنه - بالبصرة ( فيحدّثنا مناقب الأنصار ) ولأبي ذر . بمناقب الأنصار بزيادة الموحدة قبل الميم ( ومشاهدهم ) بالنصب أو بالخفض ( ويقبل علي ) بتشديد الياء ( أو على رجل من الأزد ) بفتح الهمزة وسكون الزاي غيري أو المراد بالأزدي غيلان والشك من الراوي هل قال عليّ أو أبهم