أحمد بن محمد القسطلاني
110
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
أُحد فأشهد أن الله ) عز وجل ( عفا عنه وغفر له ) في قوله : { ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم } [ آل عمران : 155 ] ( وأما تغيبه عن بدر فإنه كان ) كذا في الفرع كان بغير تاء تأنيث وفي اليونينية والناصرية وغيرهما كانت ( تحته بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) رقية براء مضمومة وقاف مفتوحة وتحتية مشددة ( وكانت مريضة ) فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالتخلف هو وأسامة بن زيد كما في مستدرك الحاكم وأنها ماتت حين وصل زيد بن حارثة بالبشارة وكان عمرها عشرين سنة ( فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه ) فقد حصل له المقصود الأخروي والدنيوي ( وأما تنيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه ) عليه الصلاة والسلام ( مكانه ) أي مكان عثمان ( فبعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عثمان ) إلى أهل مكة ليعلم قريشًا أنه إنما جاء معتمرًا لا محاربًا ( وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة ) فشاع في غيبة عثمان أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين فاستعد المسلمون للقتال وبايعهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينئذٍ تحت الشجرة أن لا يفروا ( فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده اليمنى ) أي مشيرًا بها ( هذه يد عثمان ) أي بدلها ( فضرب بها على يده ) اليسرى ( فقال ) أي للرجل ( ابن عمر : اذهب بها ) أي بالأجوبة التي أجبتك بها ( الأن معك ) حتى يزول عنك ما كنت تعتقده من عيب عثمان . 3699 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا - رضي الله عنه - حَدَّثَهُمْ قَالَ : « صَعِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُحُدًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ، فَرَجَفَ ، فَقَالَ : اسْكُنْ أُحُدُ - أَظُنُّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ - فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ » . وبه قال : ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد قال : ( حدّثنا يحيى ) بن سعيد ( عن سعيد عن قتادة ) بن دعامة ( أن أنسًا - رضي الله عنه - حدثهم قال : صعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بكسر العين ( أُحدًا ) الجبل المشهور ( ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف ) أي اضطرب الجبل بهم ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فرجفت أي الصخرة كما في حديث أبي هريرة عند مسلم بلفظ : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة ( وقال ) عليه الصلاة والسلام للجبل ولأبي ذر فقال : ( أسكن أُحد ) بالبناء على الضم منادى مفرد حذف منه الأداة قال أنس : ( أظنه ضربه برجله ) الشريفة ( فليس عليك إلا نبي وصديق ) أبو بكر ( وشهيدان ) عمر وعثمان ورواية حراء تدل على التعدد ، وقع في حديث أبي ذر تقديم حديث أنس هذا على سابقه . 8 - باب قِصَّةُ الْبَيْعَةِ ، وَالاِتِّفَاقُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رضي الله عنه - وَفِيهِ مَقْتَلُ عُمَرَ بْنِ الخَطَابِ - رضي الله عنهما - ( باب ) ذكر ( قصة البيعة ) بعد عمر بن الخطاب ( و ) ذكر ( الاتفاق على ) تقديم ( عثمان بن عفان ) - رضي الله عنه - في الخلافة على غيره ولفظ باب ثابت لأبي ذر ساقط لغيره فالقصة والاتفاق رفع ، وسقط الباب والترجمة للكشميهني والمستملي ( وفيه ) أي في الباب ( مقتل عمر - رضي الله عنهما - ) وسقط قوله وفيه الخ للكشميهني والمستملي . 3700 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ : " رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ بِالْمَدِينَةِ وَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ : كَيْفَ فَعَلْتُمَا ؟ أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لاَ تُطِيقُ ؟ قَالاَ : حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ ، مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ . قَالَ : انْظُرَا أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لاَ تُطِيقُ . قَالاَ : لاَ . فَقَالَ عُمَرُ : لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ لأَدَعَنَّ أَرَامِلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ لاَ يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا . قَالَ : فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ رَابِعَةٌ حَتَّى أُصِيبَ . قَالَ : إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلاَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ - وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ : اسْتَوُوا ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلاً تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ ، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ أَوِ النَّحْلَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : قَتَلَنِي - أَوْ أَكَلَنِي - الْكَلْبُ ، حِينَ طَعَنَهُ ، فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ ، لاَ يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَلاَ شِمَالاً إِلاَّ طَعَنَهُ ، حَتَّى طَعَنَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا ، فَلَمَّا ظَنَّ الْعِلْجُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ . وَتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ ، فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى ، وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ لاَ يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ وَهُمْ يَقُولُونَ : سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ . فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلاَةً خَفِيفَةً ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي . فَجَالَ سَاعَةً ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : غُلاَمُ الْمُغِيرَةِ . قَالَ : الصَّنَعُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : قَاتَلَهُ اللَّهُ ، لَقَدْ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الإِسْلاَمَ ، قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقًا . فَقَالَ : إِنْ شِئْتَ فَعَلْتُ - أَىْ إِنْ شِئْتَ قَتَلْنَا . قَالَ : كَذَبْتَ ، بَعْدَ مَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِكُمْ ، وَصَلَّوْا قِبْلَتَكُمْ ، وَحَجُّوا حَجَّكُمْ ؟ فَاحْتُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ ، فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ ، وَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ : فَقَائِلٌ يَقُولُ : لاَ بَأْسَ ، وَقَائِلٌ يَقُولُ : أَخَافُ عَلَيْهِ . فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ . ثُمَّ أُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ , فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، وَجَاءَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ . وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ ، مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدَمٍ فِي الإِسْلاَمِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ، ثُمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ ، ثُمَّ شَهَادَةٌ . قَالَ : وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَفَافٌ لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي . فَلَمَّا أَدْبَرَ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الأَرْضَ ، قَالَ : رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلاَمَ . قَالَ : يا ابْنَ أَخِي ، ارْفَعْ ثَوْبَكَ ، فَإِنَّهُ أَبْقَى لِثَوْبِكَ وَأَنْقَى لِرَبِّكَ . يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ . فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ . قَالَ : إِنْ وَفَى لَهُ مَالُ آلِ عُمَرَ فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَإِلاَّ فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي قُرَيْشٍ ، وَلاَ تَعْدُهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ ، فَأَدِّ عَنِّي هَذَا الْمَالَ . انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْ : يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلاَمَ - وَلاَ تَقُلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا - وَقُلْ : يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ . فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي فَقَالَ : يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّلاَمَ وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ . فَقَالَتْ : كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي ، وَلأُوثِرَنَّ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي . فَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ : هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ . قَالَ : ارْفَعُونِي . فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا لَدَيْكَ ؟ قَالَ : الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَذِنَتْ . قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، مَا كَانَ مِنْ شَىْءٍ أَهَمُّ إِلَىَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَنَا قَضَيْتُ احْمِلُونِي ، ثُمَّ سَلِّمْ فَقُلْ : يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَأَدْخِلُونِي ، وَإِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ . وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ وَالنِّسَاءُ تَسِيرُ مَعَهَا ، فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا ، فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ، وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ ، فَوَلَجَتْ دَاخِلاً لَهُمْ ، فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنَ الدَّاخِلِ . فَقَالُوا : أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اسْتَخْلِفْ . قَالَ : مَا أَجِدُ أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّفَرِ - أَوِ الرَّهْطِ - الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهْوَ عَنْهُمْ رَاضٍ : فَسَمَّى عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَسَعْدًا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَقَالَ : يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الأَمْرِ - كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ - فَإِنْ أَصَابَتِ الإِمْرَةُ سَعْدًا فَهْوَ ذَاكَ ، وَإِلاَّ فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزٍ وَلاَ خِيَانَةٍ وَقَالَ : أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ ، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ . وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا ، الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ ، وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ . وَأُوصِيهِ بِأَهْلِ الأَمْصَارِ خَيْرًا ، فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الإِسْلاَمِ ، وَجُبَاةُ الْمَالِ وَغَيْظُ الْعَدُوِّ ، وَأَنْ لاَ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِلاَّ فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ . وَأُوصِيهِ بِالأَعْرَابِ خَيْرًا ، فَإِنَّهُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ ، وَمَادَّةُ الإِسْلاَمِ ، أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ وَيُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ . وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ ، وَلاَ يُكَلَّفُوا إِلاَّ طَاقَتَهُمْ . فَلَمَّا قُبِضَ خَرَجْنَا بِهِ فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي فَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ . قَالَتْ : أَدْخِلُوهُ . فَأُدْخِلَ ، فَوُضِعَ هُنَالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ . فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ الرَّهْطُ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلاَثَةٍ مِنْكُمْ . فَقَالَ الزُّبَيْرُ : قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَلِيٍّ . فَقَالَ طَلْحَةُ : قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ ، وَقَالَ سَعْدٌ : قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَيُّكُمَا تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ فَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ ، وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالإِسْلاَمُ لَيَنْظُرَنَّ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ ؟ فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ . فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَفَتَجْعَلُونَهُ إِلَىَّ وَاللَّهُ عَلَىَّ أَنْ لاَ آلُوَ عَنْ أَفْضَلِكُمْ ؟ قَالاَ : نَعَمْ . فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَالَ : لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَدَمُ فِي الإِسْلاَمِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ، فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ . ثُمَّ خَلاَ بِالآخَرِ فَقَالَ : لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ : ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ ، فَبَايَعَهُ ، فَبَايَعَ لَهُ عَلِيٌّ ، وَوَلَجَ أَهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ " . وبه قال : ( حدّثنا موسى بن إسماعيل ) التبوذكي قال : ( حدّثنا أبو عوانة ) الوضاح اليشكري ( عن حصين ) بضم الحاء مصغرًا ابن عبد الرحمن الكوفي ( عن عمرو بن ميمون ) بفتح العين الأودي أنه ( قال : رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قبل أن يصاب ) بالقتل ( بأيام ) أربعة ( بالمدينة ) الشريفة ( وقف ) ولأبى ذر عن الكشميهني : ووقف ( على حذيفة بن اليمان ) صاحب سر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وعثمان بن حنيف ) بضم الحاء المهملة وفتح النون آخره فاء مصغرًا ابن وهب الأنصاري الصحابي - رضي الله تعالى عنهما - ، وكان عمر قد بعثهما يضربان على أرض السواد الخراج وعلى أهلها الجزية ( قال ) عمر لهما : ( كيف فعلتما ) في أرض سواد العراق حين توليتما مسحها ( أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ) المذكورة من الخراج ( ما لا تطيق ؟ ) حمله ( قالا ) : مجيبين له قد ( حملناها ) أي الأرض ( أمرًا هي له مطبقة ما فيها كبير فضل ) بالموحدة لا بالمثلثة ( قال ) عمر - رضي الله عنهما - لهما : ( انظرا ) أي احذرا ( أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق . قل ) عمر بن ميمون ( قالا ) : أي حذيفة