أحمد بن محمد القسطلاني

415

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الخطاب ( قال : لا والله ، ما قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعيسى ) أي عن عيسى ( أحمر ) أقسم على غلبة ظنّه أن الوصف اشتبه على الراوي وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجّال لا عيسى ؛ وكأنه سمع ذلك سماعًا جزمًا في وصف عيسى بأنه آدم كما في الحديث السابق ، فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أن من وَصَفه بأنه أحمر فقد وهم . وقد وافق أبو هريرة على أن عيسى أحمر ، فظهر أن ابن عمر أنكر ما حفظه غيره . والأحمر عند العرب : الشديد البياض مع الحمرة . والآدم : الأسمر . وجمع بين الوصفين بأنه احمرّ لونه بسبب كالتعب وهو في الأصل أسمر . ( ولكن قال : بينما ) بالميم ( أنا نائم ) رأيت أني ( أطوف بالكعبة ، فإذا رجل آدم ) أسمر ( سبط الشعر ) أي مسترسل الشعر غير جعد . وفي الحديث السابق في باب قوله تعالى : { وهل أتاك حديث موسى } [ طه : 9 ] من حديث ابن عباس : " جعد " وهو ضد السبط . وجمع بينهما بأنه سبط الشعر جعد الجسم لا الشعر ؛ والمراد اجتماعه واكتنازه ؛ قال الجوهري : رجل سبط الشعر وسبط الجسم أي حسن القدّ والاستواء ، قال الشاعر : فجاءَت به سَبْطَ العظامِ كأنَّما . . . عِمَامَتُهُ بَيْنَ الرِّجالِ لواءُ ( يهادى بين رجلين ) بضم الياء وفتح الدال ؛ أي يمشي متمايلاً بينهما ( ينطف ) بضم الطاء المهملة . ولأبي ذرّ : " ينطِف " بكسرها ؛ أي يقطر ( رأسه ماء ) نصب على التمييز ( - أو يهراق رأسه ماء - ) بضم الياء وفتح الهاء وتسكّن . والشك من الراوي . ( فقلت : من هذا ؟ قالوا : ابن مريم . فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر ) اللّون ( جسيم جعد ) شعر ( الرأس أعور عينه اليمنى ) بالإضافة ، و " عينه " بالجرّ ، و " اليمنى " صفته . وفي ذلك أمران : أحدهما أن قوله : " أعور عينه " من باب الصفة المجردة عن اللام المضافة إلى معمولها المضاف إلى ضمير الموصوف ، نحو : حسن وجهه . وسيبويه وجميع البصريين يجوّزونها على قبح في ضرورة فقط . وأنشد سيبويه للاستدلال على مجيئها في الشعر قول الشمّاخ : أَقَامَتْ على رَبْعَيهِمَا جَارَتَا صَفًا . . . كُمَيْت الأَعالي جَوْنَتَا مُصْطَلاهما ف‍ " جونتا مصطلاهما " نظير " حسن وجهه " . وأجازه الكوفيون في السعة بلا قبح . وهو الصحيح ، لوروده في هذا الحديث وفي حديث صفة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " شئن الكفّين طويل أصابعه " قال أبو علي - وهو ثقة - : كذا رويته بالخفض . وذكر الهروي وغيره في حديث أم زرع : " صفر وشامها " . ومع جوازه ففيه ضعف لأنه يشبه إضافة الشيء إلى نفسه . ثانيهما : أن الزجاج ومتأخري المغاربة ذهبوا إلى أنه لا يتبع معمول الصفة المشبهة بصفة ؛ مستندين فيه إلى عدم السماع من العرب ، فلا يقال : زيد حسن الوجه المشرق ، بجر " المشرق " على أنه صفة للوجه . وعلّل بعضهم المنع بأن معمول الفة لما كان سببًا غير أجنبي أشبه الضمير لكونه أبدًا محالاً على الأول وراجعًا إليه ، والضمير لا ينعت فكذا ما أشبهه . قال ابن هشام في المغني : ويشكل عليهم الحديث في صفة الدجال أعور عينه اليمنى ؛ قال في المصابيح : خرّجه بعضهم على أن " اليمنى " خبر مبتدأ محذوف لا صفة لعينه ، وكأنه لما قيل : أعور عينه ، قيل أي عينيه ؟ فقيل : اليمنى ، أي هي اليمنى . وللأصيلي كما في الفتح : " عينُه " بالرفع ، بقطع إضافة " أعور عينه " ويكون بدلاً من قوله " أعور " أو مبتدأ حذف خبره تقديره : عينه اليمنى عوراء ، وتكون هذه الجملة صفة كاشفة لقوله : " أعور " قاله في العمدة . ( كأن عينه عنبة طافية ) بغير همز : بارزة خرجت عن نظائرها . وضبّب في الفرع على قوله : " عينه " الذي بالتحتية والنون . ولأبي ذرّ والحموي والمستملي : " كأن عنبة طافية " بإسقاط " عينه " واحدة العيون ، وإثبات " عنبة " بالموحدة ونصبها كتاليها اسم " كأنّ " والخبر محذوف ، أي : كأن في وجهه عنبة طافية ، كقوله : إن مَحَلاًّ وإن مُرْتَحَلاً أي : إن لنا محلاًّ وإن لنا مرتحلاً . وأعربه الدماميني بأن قوله " اليمنى " مبتدأ ، وقوله " كأن عنبة طافية " خبره ، والعائد محذوف تقديره : كأن فيها . قال : ويكون هذا وجهًا آخر في دفع ما قاله ابن هشام ، يعني من الاستشكال في صفة الدجال السابق قريبًا . ولأبي ذرّ