أحمد بن محمد القسطلاني
331
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( ويقال جد نوح عليهما السلام ) مجازًا لأن جد الأب جد ، وقوله : وهو جد وقوله : وهو جد الخ . . . ثابت لابن عساكر . وكان إدريس عليه السلام أول نبي أعطي النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام ، وأول من خط بالقلم وأدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثمان سنين . وقال ابن كثير : وقد قالت طائفة أنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الخط بالرمل فقال : " إنه كان نبي يخط بالرمل فمن وافق خطه فذاك " . وزعم كثير من المفسرين أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة ويكذبون عليه في أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء . ( وقول الله ) عز وجل بالجر عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة : ( { ورفعناه مكانًا عليًّا } ) [ مريم : 57 ] السماء السادسة أو الرابعة أو الجنة أو شرف النبوّة والزلفى وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه رفع إلى السماء ولم يمت كما رفع عيسى . قال في البداية والنهاية : إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففيه نظر وإن أراد أنه رفع حيًّا إلى السماء ثم قبض ، فلا ينافي ما ذكره كعب أنه قبض في السماء الرابعة . وعن ابن عباس أنه قبض في السادسة وصحح ابن كثير أنه قبض في الرابعة . 3342 - قَالَ عَبْدَانُ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ . ح . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ أَنَسٌ بْن مَالِكٍ : « كَانَ أَبُو ذَرٍّ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي ، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ ، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ : افْتَحْ . قَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا جِبْرِيلُ ، قَالَ : مَعَكَ أَحَدٌ ؟ قَالَ : مَعِيَ مُحَمَّدٌ ، قَالَ : أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَافْتَحْ . فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى ، فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا آدَمُ ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ . فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى . ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِخَازِنِهَا : افْتَحْ ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ ، فَفَتَحَ . قَالَ أَنَسٌ : فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ إِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ يُثْبِتْ لِي كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ . وَقَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِإِدْرِيسَ قَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ . ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ . وَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا مُوسَى . ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : عِيسَى . ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إِبْرَاهِيمُ - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولاَنِ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ صَرِيفَ الأَقْلاَمِ . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنهما - : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ خَمْسِينَ صَلاَةً ، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى فَقَالَ مُوسَى : مَا الَّذِي فُرِضَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قُلْتُ : فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلاَةً ، قَالَ : فَرَاجِعْ رَبَّكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَرَجَعْتُ ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا . فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : رَاجِعْ رَبَّكَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ : رَاجِعْ رَبَّكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَقَالَ : هِيَ خَمْسٌ وَهْيَ خَمْسُونَ ، لاَ يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : رَاجِعْ رَبَّكَ ، فَقُلْتُ : قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي . ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى السِّدْرَةَ الْمُنْتَهَى ، فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لاَ أَدْرِي مَا هِيَ . ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ » . ( قال عبدان ) : هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي ، وهذا التعليق وصله الجوزقي من طريق محمد بن الليث عن عبدان ولأبي ذر : وحدّثنا عبدان ، ولابن عساكر : حدّثنا بغير واو قال : ( أخبرنا عبد الله ) بن المبارك قال : ( أخبرنا يونس ) بن يزيد الأيلي ( عن الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب ( ح ) لتحويل الإسناد . ( حدّثنا ) ولابن عساكر عن الزهري قال أنس بن مالك : وحدّثنا ولأبي ذر وأخبرنا ( أحمد بن صالح ) أبو جعفر المصري قال : ( حدّثنا عنبسة ) بفتح العين المهملة وسكون النون وبعد الموحدة المفتوحة سين مهملة ابن خالد قال : ( حدّثنا يونس ) بن يزيد وهو عم عنبسة ( عن ابن شهاب ) الزهري أنه ( قال ) : قال أنس ولأبي ذر وابن عساكر ( قال أنس بن مالك : كان أبو ذر ) جندب بن جنادة ( - رضي الله عنه - يحدث أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( فرج ) بضم الفاء مبنيًا للمفعول أي فتح ( سقف بيتي ) ولأبي ذر : عن سقف بيتي ( وأنا بمكة ) جملة حالية ( فنزل جبريل ) عليه السلام من الموضع الذي فتحه من السقف مبالغة في المفاجأة ( ففرج ) بفتحات أي شق ( صدري ) في رواية للمصنف إلى مراق البطن ( ثم غسله بماء زمزم ) لأنه أفضل المياه أو يقوّي القلب ( ثم جاء بطست ) بسين مهملة مؤنثة ( من ذهب ) وكان ذلك قبل تحريم الذهب ( ممتلئ ) صفة لطست وذكر على معنى الإناه ( حكمة وإيمانًا ) بنصبهما على التمييز تمثيل لينكشف بالمحسوس ما هو معقول وتمثيل المعاني جائز كما أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة ولابن عساكر الحكمة والإيمان ( فأفرغها ) أي الطست والمراد ما فيها ( في صدري ثم أطبقه ) وختم عليه حتى لا يجد العدو إليه سبيلاً ( ثم أخد بيدي ) جبريل ( فعرج بي إلى السماء فلما جاء إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء ) الدنيا : ( افتح ) بابها ( قال ) الخازن : ( من هذا ) ؟ الذي قال افتح ( قال : هذا جبريل ) ولم يقل أنا لأن قائلها يقع في العناء وسقط لفظ هذا لأبي ذر ( قال : معك ) ولابن عساكر قال : ما معك ( أحد ؟ قال ) : نعم ( معي محمد ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( قال : أرسل إليه ) ليعرج به ( قال : نعم ) أرسل إليه ( فافتح فلما علونا السماء ) زاد أبو ذر الدنيا وهي صفة للسماء والظاهر أنه كان معهما غيرهما من الملائكة ( إذا رجل عن يمينه أسودة ) أشخاص ( وعن يساره أسودة ) أشخاص أيضًا ( فإذا نظر قبل ) أي جهة ( يمينه ضحك ) سرورًا ( وإذا نظر قبل شماله بكى ) حزنًا ( فقال : مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح ) أي أصبت رحبًا لا ضيقًا أيها النبي التام في نبوته والابن البارّ في بنوّته ( قلت : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا آدم وهذه الأسودة ) التي ( عن يمينه وعن شماله نسم بنيه ) بفتح النون والسين المهملة أي أرواحهم ( فأهل اليمين منهم أهل الجنة ) والجنة فوق السماء السابعة في جهة يمينه ( والأسودة التي عن شماله أهل النار ) . والنار في سجين الأرض