أحمد بن محمد القسطلاني
320
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
خلق آدم من تراب فجعله طينًا ، ثم ترك حتى إذا كان حمأ مسنونًا خلقه وصوره ، ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار كان إبليس يمرّ به فيقول : خلقت لأمر عظيم ثم نفخ الله فيه من روحه فكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه فعطس فقال : الحمد لله . فقال الله : يرحمك ربك " الحديث . وفي حديث أبي موسى أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان مرفوعًا : " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض " ، ففي هذا أن الله تعالى لما أراد إبراز آدم من العدم إلى الوجود قلبه في ستة أطوار : طور التراب وطور الطين اللازب وطور الحمأ وطور الصلصال وطور التسوية وهو جعل الخزقة التي هي الصلصال عظمًا ولحمًا ودمًا ثم نفخ فيه الروح ، وقد خلق الله تعالى الإنسان على أربعة أضرب : إنسان من غير أب ولا أم وهو آدم ، وإنسان من أب لا غير وهو حواء ، وإنسان من أم لا غير وهو عيسى ، وإنسان من أب وأم وهو الذي خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب يعني من صلب الأب وترائب الأم ، وهذا الضرب يتم بعد ستة أطوار أيضًا . النطفة ثم العلقة ، ثم المضعة ، ثم العظام ، ثم كسوة العظام لحمًا ، ثم نفخ الروح فيه ، وقد شرف الله تعالى هذا الإنسان على سائر المخلوقات فهو صفوة العالم وخلاصته وثمرته قال الله تعالى : { ولقد كرمنا بني آدم } [ الإسراء : 70 ] . { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه } [ الجاثية : 13 ] . ولا ريب أن من خلقت لأجله وسببه جميع المخلوقات علويها وسفليها خليق بأن يرفل في ثياب الفخر على من عداه ، وتمتدّ إلى اقتطاف زهرات النجوم يداه ، وقد خلقه الله تعالى واسطة بين شريف وهو الملائكة ، ووضيع وهو الحيوان . ولذلك كان فيه قوى العالمين وأهل لسكنى الدارين فهو كالحيوان في الشهوة وكالملائكة في العلم والعقل والعبادة وخصه رتبة النبوة ، واقتضت الحكمة أن تكون شجرة النبوّة صنفًا منفردًا ونوعًا واقعًا بين الإنسان والملك ومشاركًا لكل واحد منهما على وجه فإنه كالملائكة في الاطّلاع على ملكوت السماوات والأرض ، وكالبشر في أحوال المطعم والمشرب ، وإذا طهر الإنسان من نجاسته النفسية وقاذوراته البدنية وجعل في جوار الله كان حينئذٍ أفضل من الملائكة . قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } [ الرعد : 23 ] . وفي الحديث : الملائكة خدم أهل الجنة . قال ابن كثير : واختلف هل ولد لآدم في الجنة ؟ فقيل : لا . وقيل : ولد له فيها قابيل وأخته . قال : وذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى . وفي تاريخ ابن جرير أن حواء ولدت لآدم أربعين ولدًا في عشرين بطنًا ، وقيل مائة وعشرين بطنًا في كل بطن ذكر وأنثى أوّلهم قابيل وأخته أقليمًا ، وآخرهم عبد المغيث وأخته أمة المغيث ، وقيل : إنه لم يمت حتى رأى من ذريته من ولده وولد ولده أربعمائة ألف نسمة والله أعلم . وذكر السدي عن ابن عباس وغيره أنه كان يزوّج ذكر كل بطن بأنثى الآخر ، وأن هابيل أراد أن يتزوج أخت قابيل فأبى فأمرهما آدم أن يقربا قربانًا فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تتزوج أختي فقال : { إنما يتقبل الله من المتقين } [ المائدة : 27 ] . وضربه فقتله وكانت مدة حياة آدم ألف سنة . وعن عطاء الخراساني مما رواه ابن جرير أنه لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام . 3327 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً ، لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَتْفِلُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ ، الأَلنْجُوجُ عُودُ الطِّيبِ ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ » . وبه قال : ( حدّثنا قتيبة بن سعيد ) الثقفي مولاهم البلخي الكوفي قال : ( حدّثنا جرير ) هو ابن عبد الحميد ( عن عمارة ) بضم العين ابن القعقاع ( عن أبي زرعة ) هرم بن عمرو بن جرير البجلي الكوفي ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ) أنه ( قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إن أول زمرة ) أي جماعة ( يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ) في الحسن والإضاءة ( ثم الذين يلونهم ) وفي باب ما جاء في صفة الجنة من طريق الأعرج عن أبي هريرة : ثم الذين على أثرهم ( على أشد كوكب دري ) بضم الدال وتشديد الراء والتحتية من غير همز ( في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ) بكسر الفاء وفي باب ما جاء في صفة