أحمد بن محمد القسطلاني
263
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
إبليس أبى } [ البقرة : 34 ] الآية . إذ مفهومها أن إبليس كان منهم وإلا لم يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم قال في الأنوار : ولا يرد على ذلك قوله تعالى : { إلا إبليس كان من الجن } [ الكهف : 50 ] لجواز أن يقال كان من الجن فعلاً ومن الملائكة نوعًا ، ولأن ابن عباس روى أن من الملائكة ضربًا يتوالدون يقال لهم الجن ومنهم إبليس ، وحاصله أن من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة ، كما أن من الإنس معصومين وإن كان الغالب فيهم عدمها ، ولعل ضربًا من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات كالبررة والفسقة من الإنس والجن والذي عليه المحققون عصمة الملائكة مطلقًا . وأجابوا : بأن إبليس كان جنيًّا نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغمورًا بالألوف منهم فغلبوا عليه ، أو أن الجن كانوا مأمورين مع الملائكة ، لكن استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإنه إذا علم أن الأكابر مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أن الأصاغر أيضًا مأمورون به . وأما قصة هاروت وماروت فرواها الإمام أحمد وابن حبان . ولفظ أحمد : حدّثنا يحيى بن أبي بكر ، حدّثنا زهير بن محمد ، عن موسى بن جبير ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : " إن آدم لما أهبط إلى الأرض قالت الملائكة أي رب { أتجعل فيها من يفسد فيها } [ البقرة : 30 ] الآية . قالوا : ربنا نحن أطوع لك من بني آدم . قال الله تعالى للملائكة : هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها . فقالت : لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك ، فقالا : والله لا نشرك بالله أبدًا فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها . فقالت : لا والله حتى تقتلا هذا الصبي ، فقالا : والله لا نقتله أبدًا . فذهبت ثم رجعت بقدح خمر فسألاها نفسها . فقالت : لا والله حتى تشربا هذا الخمر فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي ، فلما أفاقا قالت المرأة : والله ما تركتما شيئًا ابيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما فخيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا . وهذا حديث غريب من هذا الوجه ورجاله كلهم من رجال الصحيحين إلا موسى بن جبير هذا وهو الأنصاري السلمي الحذاء . وذكره ابن حبان في كتاب الجرح والتعديل ولم يحك فيه شيئًا فهو مستور الحال ، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وروي له متابع من وجه آخر عند ابن مردويه عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لكن رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب قال : ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون به من الذنوب فقيل لهم : اختاروا منكم اثنين فاختاروا هاروت وماروت الحديث . ورواه ابن جرير من طريقين عن عبد الرزاق به عن كعب الأحبار قال الحافظ ابن كثير : فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر ، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل وقيل : إنهما كانا قبيلين من الجن قاله ابن حزم وهذا غريب وبعيد عن اللفظ ، وعند ابن الجوزي في زاد المسير أنهما هَمّا بالمعصية ولم يفعلاها ، ومنهم من قرأ الملكين بكسر اللام وقال إنهما علجان من أهل فارس قاله الضحاك . وروى الحاكم في مستدركه وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما وقع الناس من بعد آدم عليه السلام فيما وقعوا فيه من المعاصي الحديث وفيه قال : وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وهذا اللفظ أحسن ما ورد في شأن الزهرة . ( وقال أنس ) فيما وصله المؤلّف في الهجرة ( قال عبد الله بن سلام ) بتخفيف اللام ( للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن جبريل عليه السلام عدوّ اليهود من الملائكة ) روي أنه إنما كان عدوًّا لهم لأنه كان يطلع الرسول عليه السلام على أسرارهم وأنه صاحب كل خسف وعذاب . ( وقال ابن عباس ) فيما وصله الطبراني ( لنحن الصافون ) أي ( الملائكة ) . 3207 - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ . وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَهِشَامٌ قَالاَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ - رضي الله عنهما - قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ - وَذَكَرَ يعنِي رَجُلاً بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ - فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلأن حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ ، ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا . وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ الْبُرَاقُ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ ، حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ؛ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ . فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ . قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قِيلَ : أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى وَيَحْيَى ، فَقَالاَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ . فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ . قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قِيلَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ مَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَأَتَيْتُ يُوسُفَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ . فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ ، قِيلَ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قِيلَ : مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَرْحَبًا بك مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ . فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قيلَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قِيلَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَأَتَيْنَا عَلَى هَارُونَ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ . فَأَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قِيلَ جِبْرِيلُ : قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قيلَ : مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ . فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى ، فَقِيلَ : مَا أَبْكَاكَ ؟ قَالَ : يَا رَبِّ ، هَذَا الْغُلاَمُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي . فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قِيلَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قِيلَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ ، فَرُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ : هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ . وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى ، فَإِذَا نَبِقُهَا كَأَنَّهُ قِلاَلُ هَجَرٍ ، وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ ، فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ : نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ . فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ : أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ . ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَىَّ خَمْسُونَ صَلاَةً ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ مُوسَى فَقَالَ : مَا صَنَعْتَ ؟ قُلْتُ : فُرِضَتْ عَلَىَّ خَمْسُونَ صَلاَةً . قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ ، عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ . فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُهُ ، فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ مِثْلَهُ ثُمَّ ثَلاَثِينَ ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عِشْرِينَ ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرًا ، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ فَجَعَلَهَا خَمْسًا : فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ : مَا صَنَعْتَ ؟ قُلْتُ : جَعَلَهَا خَمْسًا . فَقَالَ مِثْلَهُ : قُلْتُ : فَسَلَّمْتُ . فَنُودِيَ : إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي . وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي ، وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا " . وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ » . [ الحديث 3207 - أطرافه في : 3393 ، 3430 ، 3887 ] . وبه قال :