أحمد بن محمد القسطلاني

8

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

من قسّم خلاف الأولى بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج ، وقد كان بعضهم يقول : المكروه عقبة بين العبد والحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام ، والمباح عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه . ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومكّي وكوفي وبخاري ، وإنما كرّر طرقه ردًّا على ابن معين حيث حكى عن أهل المدينة أن النعمان لم يصح له سماع من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقد أخرج حديثه هذا الحميدي في مسنده عن ابن عيينة فصرح فيه بتحديث أبي فروة له ، وبسماع أبي فروة من الشعبي ، وبسماع الشعبي من النعمان على المنبر ، وبسماع النعمان من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 3 - باب تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الْوَرَعِ ، دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ . ( باب تفسير المشبهات ) بفتح الشين المعجمة وتشديد الموحدة المفتوحة ، ولابن عساكر : المشتبهات بسكون المعجمة ثم مثناة فوقية مفتوحة وكسر الموحدة ، وفي بعض النسخ : الشبهات بضم الشين والموحدة . ( وقال حسان بن أبي سنان ) : بكسر السين البصري أحد العباد في زمن التابعين وليس له في هذا الكتاب غير هذا الموضع ( ما رأيت شيئًا أهون من الورع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) بفتح الياء فيهما من رابه يريبه ويجوز الضم من أرابه يريبه وهو الشك والتردّد ، والمعنى هنا إذا شككت في شيء فدعه . وقد روى الترمذي من حديث عطية السعدي مرفوعًا : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس ، وهذا التعليق قد وصله أحمد وأبو نعيم في الحلية ولفظه : اجتمع يونس بن عبيد وحسان بن أبي سنان فقال يونس : ما عالجت شيئًا أشد عليّ من الورع . فقال حسان : ما عالجت شيئًا أهون عليّ منه . قال : كيف ؟ قال حسان : تركت ما يريبني إلى ما لا يريبني فاسترحت . وقد ورد قوله : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك مرفوعًا أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث الحسن بن عليّ . 2052 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ - رضي الله عنه - : " أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا ، فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ ؟ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ " . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن كثير ) العبدي قال : ( أخبرنا سفيان ) الثوري قال : ( أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ) بضم الحاء وفتح السين القرشي المكىِّ قال : ( حدّثنا عبد الله بن أبي مليكة ) زهير التميمي الأحول ونسبه لجده واسم أبيه عبيد الله مصغرًا ( عن عقبة بن الحارث ) أبي سروعة ( - رضي الله عنه - أن امرأة سوداء ) لم تسم ( جاءت ) في حديث باب الرحلة في المسألة النازلة أن عقبة بن الحارث تزوّج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتت امرأة ( فزعمت أنها أرضعتهما ) أي عقبة والتي تزوّج بها واسمها غنية ( فذكر ) عقبة ذلك ( للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأعرض عنه وتبسّم ) وفي نسخة بالفرع : فتبسم ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال ) : ( كيف ) تباشرها ( وقد قيل ) إنك أخوها من الرضاع . وعند الترمذي قال : تزوّجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء قالت : إني أرضعتكما فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت : تزوّجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء فقالت : إني أرضعتكما وهي كاذبة . قال : فأعرض عني فأتيته من قبل وجهه فقلت إنها كاذبة . قال : وكيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما دعها عنك أي احتياطًا لأنه لما أخبره أعرض عنه فلو كان حرامًا لأجابه بالتحريم ( وقد كانت ) وللمستملي وكانت ( تحته ) أي تحت عقبة ( ابنة ) ولابن عساكر بنت ( أبي إهاب التميمي ) بكسر الهمزة واسمها غنية كما مرّ . وهذا الحديث قد سبق في العلم . 2053 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ : " كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ . قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ : ابْنُ أَخِي ، قَدْ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ . فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ : أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ . فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنُ أَخِي ، كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ . فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ . ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ " . [ الحديث 2053 - أطرافه في : 2218 ، 2421 ، 2533 ، 2745 ، 4303 ، 6749 ، 6765 ، 6817 ، 7182 ] . وبه قال : ( حدّثنا يحيى بن قزعة ) بالقاف والعين المهملة المفتوحات قال : ( حدّثنا مالك ) الإمام ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن عروة بن الزبير ) بن العوّام ( عن عائشة - رضي الله عنها - ) أنها ( قالت : كان عتبة بن أبي وقاص ) هو الذي كسر ثنية النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في وقعة أُحد ومات على شركه ، وقد ذكر ابن الأثير في أسد الغابة ما يقتضي أنه أسلم فالله أعلم قاله الحافظ زين الدين العراقي ، وقال في الإصابة : لم أرَ من ذكره في الصحابة إلا ابن منده ، وقد اشتد إنكار أبي نعيم عليه في ذلك وقال : هو الذي كسر رباعية النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وما علمت له إسلامًا بل