أحمد بن محمد القسطلاني

36

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حائضًا فيقدم عليها لطول الغيبة وامتداد الغربة ، والكيس : شدة المحافظة على الشيء قاله الخطابي وقيل : الولد العقل لما فيه من تكثير جماعة المسلمين ومن الفوائد الكثيرة التي يحافظ على طلبها ذوو العقل . ( ثم قال ) عليه الصلاة والسلام : ( أتبيع جملك قلت : نعم . فاشتراه مني بأوقية ) بضم الهمزة اوتشديد لتحتية وكانت في القديم أربعين درهمًا ووزنها أفعولة والألف زائدة والجمع الأواقي مشدّدًا وقد يخفف ، ويجوز فيها وقية بغير ألف وهي لغة عامرية ، وفي رواية بخمس أواقي وزادني أوقية ، وفي أخرى بأوقيتين ودرهم أو درهمين ، وفي أخرى بأوقية ذهب ، وفي أخرى بأربعة دنانير ، وفي أخرى بعشرين دينارًا . قال المؤلّف وقول الشعبي : بوقية أكثر . قال القاضي عياض : سبب اختلاف الروايات أنهم رووه بالمعنى ، فالمراد أوقية ذهب كما فسره سالم بن أبي الجعد عن جابر ، ويحمل عليها رواية من روى أوقية وأطلق ومن روى خمسة أواقي : فالمراد من الفضة فهي قيمة وقية ذهب ذلك الوقت فالأخبار عن وقية الذهب هو إخبار عما وقع به العقد وأواقي الفضة إخبار عما حصل به الوفاء ، ويحتمل أن يكون هذا كله زيادة على الأوقية كما جاء في رواية : فما زال يزيدني . وأما أربعة دنانير : فيحتمل أنها كانت يومئذٍ أوقية ورواية أوقيتين يحتمل أن إحداهما ثمن والأخرى زيادة كما قال : وزادني أوقية . وقوله : ودرهمًا أو درهمين موافق لقوله في بعض الروايات وزادني قيراطًا ، ورواية عشرين دينارًا محمولة على دنانير صغار كانت لهم على أن الجمع بهذا الطريق فيه بعد ففي بعض الروايات ما لا يقبل شيئًا من هذا التأويل . قال السهيلي : وروي من وجه صحيح أنه كان يزيده درهمًا درهمًا وكلما زاده درهمًا يقول قد أخذته بكذا والله يغفر لك ، فكأن جابرًا قصد بذلك كثرة استغفار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وفي رواية قال : بعنيه فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي ، وفي أخرى أفقرني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظهره إلى المدينة ، وفي أخرى لك ظهره إلى المدينة . قال البخاري : الاشتراط أكثر وأصح عندي واحتج به الإمام أحمد على جواز بيع دابة يشترط البائع لنفسه ركوبها إلى موضع معلوم . قال المرداوي : وعليه الأصحاب وهو المعمول به في المذهب وهو من المفردات وعنه لا يصح ، وقال مالك : يجوز إذا كانت المسافة قريبة ، وقال الشافعية والحنفية : لا يصح سواء بعدت المسافة أو قربت لحديث النهي عن بيع وشرط . وأجابوا عن حديث جابر بأنه واقعة عين يتطرّق إليها الاحتمالات لأنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يعطيه الثمن هبة ولم يرد حقيقة البيع بدليل آخر القصة ، أو أن الشرط لم يكن في نفس العقد بل سابقًا فلم يؤثر ، وفي رواية النسائي أخذته بكذا وأعرتك ظهره إلى المدينة فزال الإشكال . ( ثم قدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) المدينة ( قبلي وقدمت بالغداة فجئنا ) أي هو وغيره من الصحابة ( إلى المسجد فوجدته ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( على باب المسجد قال ) ولابن عساكر فقال : ( الآن قدمت قلت نعم قال : فدع ) أي اترك ( جملك فادخل ) أي المسجد ، ولأبي ذر : وادخل بالواو بدل الفاء ( فصل ركعتين ) فيه ( فدخلت ) المسجد ( فصليت ) فيه ركعتين وفيه استحبابهما عند القدوم من سفر ( فأمر ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( بلالاً أن يزن له أوقية ) بهمزة مضمومة وتشديد المثناة التحتية ، ولابن عساكر : وقية وعبر بضمير الغائب في قوله له على طريق الالتفات ( فوزن لي بلال فأرجح ) زاد أبوا ذر والوقت عن الكشميهني : لي ( في الميزان ) وهو محمول على إذنه عليه الصلاة والسلام له في الإرجاح له لأن الوكيل لا يرجح إلا بالإذن ( فانطلقت حتى وليت ) أي أدبرت ( فقال ادع لي جابرًا ) بصيغة المفرد ، ولأبي ذر وابن عساكر : ادعوا بصيغة الجمع ( قلت الآن يرد عليّ الجمل ولم يكن شيء أبغض إليّ منه ) أي من رد الجمل ( قال ) عليه الصلاة والسلام ، ولابن عساكر : فقال ( خذ جملك ولك ثمنه ) . وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في نحو عشرين موضعًا تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوّته وبركة نبيّه محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع