أحمد بن محمد القسطلاني
333
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وأعتقك ( فعلت فذكرت بريرة ذلك لأهلها فقالوا : لا إلاّ أن يكون ولاؤك ) وللحموي والمستملي : الولاء ( لنا . قال مالك ) الإمام بالإسناد السابق ( قال يحيى ) بن سعيد : ( فزعمت عمرة أن عائشة ) الزعم يستعمل بمعنى القول المحقق أي قالت إن عائشة ( ذكرت ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال ) لها : ( اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق ) وظاهر هذا الحديث جواز بيع رقبة المكاتب إذا رضي بذلك ولو لم يعجز نفسه واختاره المؤلّف وهو مذهب الإمام أحمد ومنعه أبو حنيفة والشافعي في الأصح وبعض المالكية ، وأجابوا عن قصة بريرة بأنها عجزت نفسها لأنها استعانت بعائشة في ذلك ، وعورض ليس في استعانتها ما يستلزم العجز ولا سيما مع القول بجواز كتابة من لا مال عنده ولا حِرفة له . قال ابن عبد البر : ليس في شيء من طرق حديث بريرة أنها عجزت عن أداء النجوم ولا أخبرت بأنها قد حلّ عليها شيء لم يرد في شيء من طرقه استفصال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها عن شيء من ذلك انتهى . لكن قال الشافعي مما رأيته في المعرفة : إذا رضي أهلها بالبيع ورضيت المكاتبة بالبيع فإن ذلك ترك الكتابة . 5 - باب إِذَا قَالَ الْمُكَاتَبُ اشْتَرِنِي وَأَعْتِقْنِي ، فَاشْتَرَاهُ لِذَلِكَ هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا قال المكاتب ) لأحد ( اشتري ) من سيدي ولأبي ذر اشترني ( وأعتقني فاشتراه لذلك ) جاز وحذف جواب إذا . 2565 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي أَيْمَنُ قَالَ : " دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ - رضي الله عنها - فَقُلْتُ : كُنْتُ لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ وَمَاتَ وَوَرِثَنِي بَنُوهُ ، وَإِنَّهُمْ بَاعُونِي مِنَ ابْنِ أَبِي عَمْرٍو فَأَعْتَقَنِي ابْنُ أَبِي عَمْرٍو ، وَاشْتَرَطَ بَنُو عُتْبَةَ الْوَلاَءَ . فَقَالَتْ : دَخَلَتْ بَرِيرَةُ وَهْيَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتِ : اشْتَرِينِي وَأَعْتِقِينِي ، قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَتْ : لاَ يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلاَئِي ، فَقَالَتْ : لاَ حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ . فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَلَغَهُ - فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ لَهَا ، فَقَالَ : اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا ، فَاشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ فَأَعْتَقَتْهَا ، وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلاَءَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ " . وبه قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين قال : ( حدّثنا عبد الواحد بن أيمن ) المخزومي مولاهم المكي ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( أبي أيمن ) الحبشي المكي ( قال : دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فقلت ) لها ( كنت لعتبة بن أبي لهب ) أي ابن عبد المطلب بن هاشم ابن عمّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسلم عام الفتح ، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي : كنت غلامًا لعتبة بن أبي لهب ( ومات ) لعله في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - ، ( وورثني بنوه ) العباس وهاشم وغيرهما ( وإنهم باعوني من ابن أبي عمرو ) بفتح العين وللكشميهني باعوني من عبد الله بن أبي عمرو بن عمر بضم العين ابن عبد الله المخزومي ( فأعتقني ابن أبي عمرو واشترط بنو عتبة ) عليه ( الولاء ) لهم عليّ ( فقالت ) عائشة ( دخلت ) عليّ ( بربرة وهي مكاتبة فقالت : اشتريني وأعتقيني ) بواو العطف ولأبي ذر فأعتقينى ( قالت ) عائشة فقلت لها ( نعم . قالت ) بريرة ( لا يبيعوني ) تعني أهلها ( حتى يشترطوا ) عليك أن يكون ( ولائي ) لهم ( فقالت ) عائشة فقلت : ( لا حاجة لي بذلك ) على أن يكون الولاء لهم ( فسمع بذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قالت : ( بلغه ) شك من الراوي ( فذكر ذلك ) أي الذي سمعه أو بلغه ( لعائشة ) وسقط من اليونينية ذلك من قوله فذكر وثبت في فرعها ( فذكرت عائشة ) له عليه الصلاة والسلام ( ما قالت لها ) بريرة ( فقال ) عليه الصلاة والسلام لها : ( اشتريها وأعتقيها ) بهمزة قطع بعد واو العطف ولأبي ذر فأعتقيها ( ودعيهم يشترطون ما شاؤوا ) ولأبي ذر : يشترطوا بإسقاط النون منصوبًا بأن مقدرة ( فاشترتها عائشة فأعتقتها ) فيه دليل على أن عقد الكتابة الذي كان عقد لها مواليها الفسخ بابتياع عائشة لها ( واشترط أهلها الولاء فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الولاء لمن أعتق وإن اشترطوا مائة شرط ) . وفي هذا الحديث جواز كتابة الأمة كالعبد وجواز سعي المكاتبة والسؤال لمن احتاج إليه من دين أو غرم أو نحوهما وغمر ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى في محاله . بسم الله الرحمن الرحيم 51 - كتاب الهبة ( بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الهبة ) . 1 - باب الهبة وفضلها والتحريض عليها ( باب الهبة وفضلها والتحريض عليها ) ولأبي ذر عن الكشميهني وابن شبويه فيها بدل قوله عليها وأخّر النسفيّ البسملة . والهبة بكسر الهاء مصدر من وهب يهب وأصلها وهب لأنها معتلّة الفاء كالعدة أصلها وعد فلما حذفت الفاء عوّض عنها الهاء ، فقيل هبة وعدة ومعناها في اللغة إيصال الشيء للغير بما ينفعه مالاً كان أو غير مال يقال وهبه له كودعه وهبًا ووهبًا وهبة ولا تقل وهبكه ، وحكاه أبو عمرو عن أعرابي والموهبة العطية وهي في الشرع