أحمد بن محمد القسطلاني

257

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بعضًا ) بيان لوجه التشبيه وللكشميهنى يشد بعضهم بعضًا بميم الجمع ( وشبك ) عليه الصلاة والسلام ( بين أصابعه ) كالبيان للوجه أي شدًّا مثل هذا الشد وفيه تعظيم حقوق المسلمين بعضهم لبعض وحثّهم على التراحم والملاطفة والتعاضد ، والمؤمن إذا شدّ المؤمن فقد نصره والله أعلم . 6 - باب الاِنْتِصَارِ مِنَ الظَّالِم ، لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : { لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } . { وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ } . قَالَ إِبْرَاهِيمُ : كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا ، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا . ( باب الانتصار من الظالم لقوله جل ذكره ) في سورة النساء : ( { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظلم } ) أي إلا جهر من ظلم بالدعاء على الظالم والتظلّم منه ، وعن السدي نزلت في رجل نزل بقوم فلم يضيفوه فرخص له أن يقول فيهم ونزولها في واقعة عين لا يمنع حملها على عمومها . وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - المراد بالجهر من القول الدعاء فرخص للمظلوم أن يدعو على من ظلمه ( { وكان الله سميعًا ) لكلام المظلوم ( { عليمًا } ) [ النساء : 148 ] بالظالم ولقوله تعالى في سورة الشورى : ( { والذين إذا أصابهم البغي } ) يعني الظلم ( { هم ينتصرون } ) [ الشورى : 39 ] ينتقمون ويقتصّون . ( قال إبراهيم ) النخعي مما وصله عبد بن حميد وابن عيينة في تفسيرهما ( كانوا ) أي السلف ( يكرهون أن يستذلوا ) بضم الياء وفتح التاء والمعجمة من الذل ( فإذا قَدَروا ) بفتح الدال المهملة ( عفوا ) عمّن بغى عليهم . 7 - باب عَفْوِ الْمَظْلُومِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } [ النساء : 149 ] . { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ . . . } { وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ } . [ الشورى : 40 - 44 ] . ( باب عفو المظلوم ) عمن ظلمه ( لقوله تعالى ) في سورة النساء : ( { إن تبدوا خيرًا ) طاعةً وبرًّا ( { أو تخفوه } ) أي تفعلوه سرًّا ( { أو تعفوا عن سوء } ) لكم المؤاخذة عليه وهو المقصود وذكر إبداء الخير وإخفائه تسبيب له ولذلك رتب عليه قوله : ( { فإن الله كان عفوًّا قديرًا ) [ النساء : 149 ] أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك وهو حثّ للمظلوم على العفو بعدما رخص له في الانتصار حملاً على مكارم الأخلاق ، وقوله تعالى في سورة حم عسق : ( { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ) وسمى الثانية سيئة للازدواج ولأنها تسوء من تنزل به ( { فمن عفا وأصلح } ) بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء ( { فأجره على الله } ) عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم ( { إنه لا يحب الظالمين } ) المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام ( { ولمن انتصر بعد ظلمه } ) بعدما ظلم فهو من إضافة المصدر إلى المفعول ( { فأولئك ما عليهم من سبيل } ) من مأثم ( { إنما السبيل } ) يعني الإثم والحرج ( { على الذين يظلمون الناس } ) يبتدئونهم بالإضرار يطلبون ما لا يستحقونه تجبّرًا عليهم ( { ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } ) على ظلمهم وبغيهم ( { ولمن صبر } ) على الأذى ولم يقتص من صاحبه ( { وغفر } ) تجاوز عنه وفوّض أمره إلى الله ( { إن ذلك } ) الصبر والتجاوز ( { لمن عزم الأمور } ) [ الشورى : 40 - 41 ، 42 - 43 ] أي إن ذلك منه فحذف للعلم به كما حذف في قولهم السمن منوان بدرهم . ويحكى أن رجلاً سبّ رجلاً في مجلس الحسن - رحمه الله - فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ثم قام فتلا هذه الآية فقال الحسن : عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون . وفي حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد وأبي داود أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي بكر : " ما من عبد ظلم مظلمة فعفا عنها إلا أعز الله بها نصره " وقد قالوا : العفو مندوب إليه ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبًا إليه ، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى ، وسقط من الفرع قوله تعالى : { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } أي من ناصر يتولاه من بعد خذلان الله له وثبت فيه قوله تعالى : ( { وترى الظالمين لما رأوا العذاب } ) حين يرونه فذكره بلفظ الماضي تحقيقًا ( { يقولون هل إلى مرد من سبيل } ) [ الشورى : 44 ] أي إلى رجعة إلى الدنيا . وفي رواية أبي ذر { فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين } إلى قوله : { مردّ من سبيل } فأسقط ما ثبت في رواية غيره . 8 - باب الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هذا ( باب ) بالتنوين ( الظلم ظلمات يوم القيامة ) . 2447 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » . وبه قال : ( حدّثنا أحمد بن يونس ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس أبو عبد الله التميمي اليربوعي الكوفي قال : ( حدّثنا عبد العزيز ) بن عبد الله بن أبي سلمة واسمه دينار ( الماجشون ) بكسر الجيم وبالشين المعجمة المضمومة قال : ( أخبرنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( الظلم ) بأخذ مال الغير بغير حق أو التناول من عرضه أو نحو ذلك