أحمد بن محمد القسطلاني

22

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

واختلف في الموسر فقيل من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته والمرجح أن الإيسار والإعسار يرجعان إلى العرف ، فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعدّ يسارًا فهو موسر وعكسه قال : ( قال فتجاوزوا عنه ) بفتح الواو في الفرع وغيره ، وفي رواية فتجاوزوا ، بكسر الواو على الأمر فيكون من قول الله تعالى للملائكة . وفي لفظ لمسلم كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى فقال الله عز وجل : أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي ، وللمؤلّف في بني إسرائيل ، ومسلم : أن رجلاً كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه فقيل له هل علمت من خير ؟ قال ما أعلم قيل له : انظر . قال : ما أعلم شيئًا غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا فأجازيهم فأنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر فأدخله الله الجنة . قال المظهري : هذا السؤال منه كان في القبر ، وقال الطيبي : يحتمل أن يكون فقيل مسندًا إلى الله تعالى والفاء عاطفة على مقدّر أي أتاه الملك ليقبض روحه فبعثه الله تعالى فقال له فأجابه فأدخله الله الجنة ، وعلى قول المظهري فقبض وأدخل القبر فتنازع ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فيه فقيل له ذلك ، وينصر هذا قوله في الرواية الأخرى تجاوزوا عن عبدي . وحديث الباب أخرجه المؤلّف في الاستقراض وفي ذكر بني إسرائيل ، ومسلم في البيوع ، وابن ماجة في الأحكام . ( وقال أبو مالك ) سعد بن طارق الأشجعي الكوفي ولأبوي ذر والوقت قال أبو عبد الله أي البخاري ، وقال أبو مالك ( عن ربعي ) هو ابن حراش : ( كنت أيسر على الموسر ) بضم الهمزة وتشديد السين من التيسير ( وأنظر المعسر ) وهذا وصله مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الأشج قال : حدّثنا الأحمر عن أبي مالك عن ربعي عن حذيفة بلفظ : أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له : ماذا عملت في الدنيا ؟ قال : { ولا يكتمون الله حديثًا } [ النساء : 42 ] قال : يا رب آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر ، فقال الله تعالى : أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي . قال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري : هكذا سمعناه من في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( وتايعه ) أي تابع أبا مالك ( شعبة ) بن الحجاج ( عن عبد الملك ) بن عمير ( عن ربعي ) أي عن حذيفة في قوله : وأنظر المعسر ، وهذه المتابعة وصلها ابن ماجة من طريق أبي عامر عن شعبة بهذا اللفظ ، ورواها البخاري في الاستقراض عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ : فأتجوّز عن الموسر وأخفف عن المعسر . ( وقال أبو عوانة ) الوضاح بن عبد الله اليشكري مما وصله المؤلّف في ذكر بني إسرائيل ( عن عبد الملك عن ربعي : أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر ) وهذا موافق للترجمة . ( وقال نعيم بن أبي هند ) بضم النون وفتح العين مصغرًا الأشجعي مما وصله مسلم ( عن ربعي : فأقبل من الموسر وأتجاوز عن المعسر ) قال ابن التين مما نقله في الفتح : رواية من روى وأنظر الموسر أولى من رواية من روى وأنظر المعسر لأن إنظار المعسر واجب . قال في الفتح : ولا يلزم من كونه واجبًا أن لا يؤجر صاحبه عليه أو يكفر عنه بذلك من سيئاته . 18 - باب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا ( باب ) فضل ( من أنظر معسرًا ) وهو الذي لم يجد وفاء . 2078 - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ : تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا ، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ » . [ الحديث 2078 - طرفه في : 3480 ] . وبه قال : ( حدّثنا هشام بن عمار ) السلمي قال : ( حدّثنا يحيى بن حمزة ) بالحاء المهملة والزاي الحضرمي قاضي دمشق قال : ( حدّثنا الزبيدي ) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد بن عامر ( عن الزهري ) محمد بن مسلم ( عن عبيد الله بن عبد الله ) بتصغير الأول ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة ( أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - ) يحدّث ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( كان تاجر يداين الناس ) وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند النسائي أن رجلاً لم يعمل خيرًا قطّ وكان يداين الناس ( فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه ) لخدّامه ( تجاوزوا عنه ) وعند النسائي فيقول لرسوله خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز ( لعل الله أن يتجاوز عنّا فتجاوز الله عنه ) وعند النسائي : فلما هلك قال الله تعالى له : هل عملت خيرًا قط ؟ قال : لا إلا أنه كان لي غلام وكنت