أحمد بن محمد القسطلاني
174
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
محذوف فلا يدخل في معنى التأكيد ، وتكون هذه الجملة واردة على التبعية ولا كذلك في هذه الصورة قاله في شرح المشكاة ، واستدلّ بقولها : إنما خلقنا للحرث على أن الدواب لا تستعمل إلا فيما جرت العادة باستعمالها فيه ، ويحتمل أن يكون قولها : إنما خلقنا للحرث إشارة إلى تعظيم ما خلقت له ولم ترد الحصر في ذلك لأنه غير مراد اتفاقًا لأن جملة ما خلقت له أنها تذبح وتؤكل بالاتفاق . قال ابن بطال : في هذا الحديث حجة على من منع أكل الخيل مستدلاً بقوله تعالى { لتركبوها } [ النحل : 8 ] فإنه لو كان ذلك دالاًّ على منع أكلها لدل هذا الخبر على منع أكل البقر لقوله في الحديث : إنما خلقنا للحرث ، وقد اتفقوا على جواز أكلها فدلّ على أن المراد بالعموم المستفاد من صيغة إنما في قولها إنما خلقنا للحرث عموم مخصوص . ( وأخذ الذئب شاة ) هو معطوف على الخبر الذي قبله بالإسناد المذكور ( فتبعها ) أي الشاة ( الراعي ) لم يسم وإيراد المصنف الحديث في ذكر بني إسرائيل فيه إشعار بأنه عنده ممن كان قبل الإسلام نعم وقع كلام الذئب لأهبان بن أوس كما عند أبي نعيم في الدلائل ( فقال الذئب ) ولأبي ذر : فقال له الذئب ، وفي ذكر بني إسرائيل وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلبه حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب هذا استنقذتها مني . واستشكل هذا التركيب ، وخرّجه ابن مالك في التوضيح على ثلاثة أوجه . أحدها : أن يكون منادى محذوفًا منه حرف النداء واعترضه البدر الدماميني بأنه ممنوع أو قليل . الثاني : أن يكون في موضع نصب على الظرفية مشارًا به إلى اليوم أي هذا اليوم استنقذتها . الثالث : في موضع نصب على المصدرية أي هذا الاستنقاذ استنقذتها مني ، وقد وهم الزركشي في التنقيح وتبعه البدر الدماميني في المصابيح والبرماوي في اللامع الصبيح فذكروا هذه الكلمة المستشكلة في رواية هذا الباب ناقلين ما ذكرته عن ابن مالك في توجيهها ، وليس لها ذكر في هذا الباب أصلاً والله أعلم . ولفظ رواية الحديث المذكور في المناقب : بينما راعٍ في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال : ( من لها ) أي للشاة ( يوم السبع ) بضم الموحدة ويجوز فتحها وسكونها المفترس من الحيوان وجمعه أسبع وسباع كما في القاموس ( يوم لا راعي لها غيري ) أي إذا أخذها السبع لم تقدر على خلاصها منه فلا يرعاها حينئذٍ غيري أي إنك تهرب منه وأكون أنا قريبًا منه أراعي ما يفضل لي منها ، أو أراد من لها عند الفتن حين تترك بلا راعٍ نهبة للسّباع فجعل السبع لها راعيًا إذ هو منفرد بها ، أو أراد يوم أكلي لها يقال : سبع الذئب الغنم أي أكلها . وقال ابن العربي : هو بالإسكان والضم تصحيف ، وقال ابن الجوزي : هو بالسكون والمحدثون يروونه بالضم ، وقال في القاموس : والسبع أي بسكون الموحدة الموضع الذي يكون فيه الحشر أي من لها يوم القيامة ، ويعكر على هذا قول الذئب لا راعي لها غيري والذئب لا يكون راعيًا يوم القيامة أو يوم السبع عيد لهم في الجاهلية كانوا يشتغلون فيه يلهوهم عن كل شيء قال : وروي بضم الباء انتهى . أي : يغفل الراعي عن غنمه فيتمكن الذئب منها وإنما قال ليس لها راعٍ غيري مبالغة في تمكنه منها . ( قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما تعجب الناس حيث قالوا سبحان الله ذئب يتكلم كما في ذكر بني إسرائيل ( آمنت به ) أي بتكلم الذئب ( أنا وأبو بكر وعمر ) . ( قال أبو سلمة ) بن عبد الرحمن الراوي بالسند المذكور ( وما هما ) أي العمران ( يومئذٍ في القوم ) أي لم يكونا حاضرين : فيحتمل أن يكون أهبان على تقدير أن يكون هو صاحب القصة لما أخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك . كان العمران حاضرين فصدّقاه ، ثم أخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الناس بذلك وهما غائبان فلذا قال عليه الصلاة والسلام : " فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر " وأطلق ذلك لما اطّلع عليه من أنهما يصدقان بذلك إذا سمعاه ولا يتردّدان فيه كغيره من قواعد العقائد . وقال التوربشتي : إنما أراد عليه الصلاة والسلام تخصيصهما بالتصديق الذي بلغ عين اليقين وكوشف صاحبه بالحقيقة التي ليس وراءها للتعجب