أحمد بن محمد القسطلاني

241

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته ) بفتح لام لوصيته وهي للتأكيد والضمير فيه للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي أنها لقوله : ( فليبلغ الشاهد ) الحاضر ذلك المجلس ( الغائب ) عنه والضمير وإن كان مقدّمًا في الذكر فالقرينة تدل على أنه مؤخر في المعنى ، وقول ابن عباس معترض بين قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( هل بلغت ) ؟ وبين قوله ( فليبلغ الشاهد ) الغائب ( لا ترجعوا بعدي ) بعد فراقي من موقفي هذا أو بعد حياتي وفيه استعمال رجع كصار معنى وعملاً قال ابن مالك وهو مما خفي على أكثر النحويين أي لا تصيروا بعدي ( كفارًا ) أي كالكفار أو لا يكفر بعضهم بعضًا فتستحلوا القتال أو لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار ( يضرب بعضكم رقاب بعض ) برفع يضرب جملة مستأنفة مبينة لقوله لا ترجعوا بعدي كفارًا ويجوز الجزم . قال أبو البقاء : على شرط مضمر أي أن ترجعوا بعدي . ورواة هذا الحديث ما بين مدني وبصري وكوفي ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الفتن وكذا الترمذي . 1740 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ . تَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو . [ الحديث 1740 - أطرافه في : 1812 ، 1841 ، 1843 ، 5804 ، 5853 ] . وبه قال : ( حدّثنا حفص بن عمر ) بن الحرث الحوضي البصري قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( قال أخبرني ) بالإفراد ( عمرو ) بفتح العين وسكون الميم ابن دينار ( قال : سمعت جابر بن زيد ) أبا الشعثاء الأزدي اليحمدي ( قال : سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب بعرفات ) . ولا مطابقة بينه وبين الترجمة على ما لا يخفى ، لكن يحتمل أنه قصد التنبيه على إلحاق المختلف فيه بالمتفق عليه كما مرّ . وهذا الحديث طرف من حديث ذكره المؤلّف فيما يأتي إن شاء الله تعالى في باب : لبس الخفين للمحرم عن أبي الوليد عن شعبة بهذا الإسناد ، ولفظه : يخطب بعرفات من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل للمحرم . وفي هذا الحديث رواية التابعي ، عن التابعي عن الصحابي ، وأخرجه المؤلّف في الباب المذكور وفي اللباس أيضًا ، ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة في الحج ، والنسائي أيضًا في الزينة . ( تابعه ) أي تابع شعبة بن الحجاج ( ابن عيينة ) سفيان ( عن عمرو ) أي ابن دينار المذكور والمراد أنه تابعه في رواية أصل هذا الحديث فإن أحمد أخرجه في مسنده عن سفيان بن عيينة بلفظ : سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب يقول من لم يجد فذكره فلم يقل عرفات ولا غيرهما . 1741 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا قُرَّةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، وَرَجُلٌ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ " خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ : أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، قَالَ : أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ ؟ قُلْنَا : بَلَى . قَالَ : أَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ ذُو الْحَجَّةِ ؟ قُلْنَا : بَلَى . قَالَ : أَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، قَالَ : أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ ؟ قُلْنَا : بَلَى . قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ، فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ " . وبه قال : ( حدثني ) بالإفراد ولأبي ذر وابن عساكر : حدّثنا ( عبد الله بن محمد ) المسندي الجعفي قال : ( حدّثنا أبو عامر ) عبد الملك بن عمرو العقدي قال : ( حدّثنا قرة ) بضم القاف وتشديد الراء ابن خالد السدوسي ( عن محمد بن سيرين قال : أخبرني ) بالإفراد ( عبد الرحمن بن أبي بكرة عن ) أبيه ( أبي بكرة ) نفيع بن الحرث بن كلدة ( ورجل ) بالرفع عطفًا على عبد الرحمن دخل في الولايات وكان الرجل المذكور وهو ( حميد بن عبد الرحمن ) الحميري فيما قاله الحافظ ابن حجر زاهدًا أو هو ابن عوف القرشي الزهري كما قاله الكرماني ، وكل واحد منهما سمع من أبي بكرة وسمع منه محمد بن سيرين وحميد مرفوع خبر مبتدأ محذوف أو بدل من رجل أو عطف بيان ( عن أبي بكرة ) نفيع ( - رضي الله عنه - قال : خطبنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم النحر ) أي بمنى عند الجمرة ( قال ) : ( أتدرون أي يوم هذا ) ؟ ( قلنا الله ورسوله أعلم ) فيه مراعاة الأدب وتحرز عن التقدم بين يدي الله ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توقف فيما لا يعلم الغرض من السؤال عنه ، ( فسكت ) عليه الصلاة والسلام ( حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ) . قال الطيبي : فيه إشارة إلى تفويض الأمور بالكلية إلى الشارع وعزل لما ألفوه من المتعارف المشهور ، وفي حديث ابن عباس فقال : يا أيها الناس أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم حرام إلى آخره ، ففيه أنهم أجابوه . وفي حديث أبي بكرة أنهم سكتوا وفوضوا إليه الأمر ، فقيل في التوفيق بينهما أن في حديث أبي بكرة فخامة