أحمد بن محمد القسطلاني
23
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الفرض لغيره أفضل لنفي التهم ، ولغير أبي ذر : وقال الله تعالى : { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } ولم يذكر هنا حديثًا إلا المعلق فقط . وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله تعالى : { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } [ البقرة : 271 ] نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما . أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر ؟ لما قال : خلفت لهم نصف مالي ، وأما أبو بكر فجاء بماله كله فكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ما خلفت وراءك يا أبا بكر ؟ " فقال : عدة الله وعدة رسوله فبكى عمر وقال : بأبي أنت يا أبا بكر والله ما سبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقنا . 14 - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا تصدق ) رجل ( على ) آخر ( غني وهو ) أي والحال أنه ( لا يعلم ) أنه غني فصدقته مقبولة ، وسقط لفظ باب في رواية أبي ذر وقال عقب قوله في السابق { فهو خير لكم } الآية وإذا تصدق بواو العطف . 1421 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « قَالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ . فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ . فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ . فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَىْ زَانِيَةٍ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ . فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، عَلَى زَانِيَةٍ ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ . فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَىْ غَنِيٍّ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ . فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، عَلَى سَارِقٍ ، وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ . فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ : أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ » . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع قال : ( أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة قال : ( حدّثنا أبو الزناد ) ذكوان السمان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( قال رجل ) من بني إسرائيل كما عند أحمد من طريق ابن لهيعة عن الأعرج ( لأتصدقن بصدقة ) هو من باب الالتزام كالنذر مثلاً والقسم فيه مقدر كأنه قال والله لأتصدقن ، وزاد في رواية أبي عوانة عن أبي أمية عن أبي اليمان بهذا الإسناد الليلة وكررها في المواضع الثلاثة : وكذا مسلم من طريق موسى بن عقبة ، وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث وترجمته بصدقة السر على رواية أبي ذر ، إذ لو كانت جهزًا لما خفي عليه حال الغني لأنه في الغالب لا يخفى بخلاف الآخرين ( فخرج بصدقته ) ليضعها في يد مستحق ( فوضعها في يد سارق ) وهو لا يعلم أنه سارق ( فأصبحوا ) أي القوم الذين فيهم هذا المتصدق ( يتحدثون ) في موضع نصب خبر أصبح ( تصدق ) أي الليلة ( على سارق ) بضم التاء والصاد مبنيًا للمفعول اخبار بمعنى التعجب أو الإنكار ولابن لهيعة على فلان السارق ( فقال ) : المتصدق ( اللهم لك الحمد ) ، على تصدقي على سارق حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي ، فإن إرادتك كلها جميلة ولا يحمد على المكروه سواك وقدّم على المبتدأ في قوله : لك الحمد للاختصاص ( لأتصدقن ) الليلة ( بصدقة ) على مستحق ( فخرج بصدقته ) ليضعها في يد مستحق ( فوضعها في يد ) امرأة ( زانية فأصبحوا ) أي بنو إسرائيل ( يتحدثون تصدق ) مبنيًا للمفعول ( الليلة على ) امرأة ( زانية فقال ) : المتصدق : ( اللهم لك الحمد ) على تصدقي ( على ) امرأة ( زانية ) حيث كان بإرادتك ( لأتصدقن ) الليلة ( بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيّ فأصبحوا يتحدثون : تصدق ) الليلة ( على غني فقال : اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني ) زاد الطبراني : فساءه ذلك ( فأتي ) في منامه ( فقيل له : أما صدقتك ) زاد أبو أمية : فقد قبلت فأما ( على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته ، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها ) بالقصر كذا في الفرع وغيره . وقال ابن التين : رويناه بالمد ، وعند أبي ذر بالقصر . قال الجوهري : بالقصر لأهل الحجاز ، قال تعالى : { ولا تقربوا الزنا } [ الإسراء : 32 ] والمد لأهل نجد . قال الفرزدق : أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه . . . ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا ( وأما الغني فلعله يعتبر ، فينفق ) بالرفع فيهما ، ولأبي ذر : أن يعتبر فينفق ( مما أعطاه الله ) وفيه : أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجات من أهل الخير ، ولهذا تعجبوا من الصدقة على هؤلاء وأن نيّة المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع وهذا في صدقة التطوّع ، أما الواجبة ، فلا تجزئ على غني وإن ظنه فقيرًا خلافًا لأبي حنيفة