أحمد بن محمد القسطلاني

204

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

يعيدهما أبدًا وقال الشافعية : لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو صلّى كل صلاة في وقتها جاز وإن خالف الأفضل ، وفي الحديث تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس ببيان فعله عليه الصلاة والسلام . ( فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ) أي الوضوء فحذف المفعول . قال الخطابي : إنما ترك إسباغه حين نزل الشعب ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه وتجوز فيه لأنه لم يرد أن يصلّي به ، فلما نزل المزدلفة وأرادها أسبغه ، ويحتمل أن يكون تجديدًا وأن يكون عن حدث طرأ ، واستبعد القول بأن المراد بقوله : لم يسبغ الوضوء اللغوي وأبعد منه أن المراد به الاستنجاء ، ومما يقوّي استبعاده رواية المؤلّف السابقة في باب : الرجل يوضئ صاحبه عن أسامة أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عدل إلى الشعب فقضى حاجته فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ إذ لا يجوز أن يصب عليه أسامة إلا وضوء الصلاة لأنه كان لا يقرب منه أحد وهو على حاجته . ( ثم أقيمت الصلاة فصلّى ) عليه الصلاة والسلام بالناس ( المغرب ) أي قبل حط الرحال كما جاء مصرحًا به في رواية أخرى ، ( ثم أناخ كل إنسان ) منا ( بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلّى ) عليه الصلاة والسلام بالناس صلاة العشاء ( ولم يصل ) نفلاً ( بينهما ) لأنه يخل بالجمع لأن الجمع يجعلهما كصلاة واحدة ، فوجب الولاء كركعات الصلاة ، ولولا اشتراط الولاء لما ترك عليه الصلاة والسلام الرواتب ، لكن هذا فيه تفصيل بين جمع التقديم فيخل وبين جمع التأخير فلا كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه عن قريب ، والله الموفق . 96 - باب مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَتَطَوَّعْ ( باب من جمع بينهما ) أي بين العشاءين بالمزدلفة ( ولم يتطوع ) بينهما ولا على أثر واحدة منهما . 1673 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ : " جَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ . كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا ، وَلاَ عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا " . وبالسند قال : ( حدّثنا آدم ) بن أبي أياس عبد الرحمن قال : ( حدّثنا ابن أبي ذئب ) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني ( عن الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب ( عن سالم بن عبد الله ) بن عمر ( عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال ) : ( جمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين المغرب والعشاء بجمع ) بسكون الميم بعد فتح الجيم أي المزدلفة وسقط لأبي ذر لفظة بين فقوله المغرب نصب على المفعولية والعشاء عطف عليه ( كل واحدة منهما ) من العشاءين ( بإقامة ولم يسبح ) أي لم يتنفل ( بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما ) بكسر الهمزة وسكون المثلثة من أثر بمعنى أثر بفتحتين أي عقبها أي لم يصل بعد كل واحدة منهما ، وليس المراد أنه لم يتنفل لا بينهما ولا بعدهما لأن المنفي التعقيب لا المهلة ، وحينئذ فلا ينافي قولهم باستحباب تأخير سنة العشاءين عنهما ، ومذهب الشافعية : أنه إذا جمع بين الظهر والعصر قدّم سنة الظهر التي قبلها وله تأخيرها سواء جمع تقديمًا أو تأخيرًا ، وتوسيطها إن جمع تأخيرًا سواء قدم الظهر أو العصر وأخر سنتها التي بعدها ، وله توسيطها إن جمع تأخيرًا وقدم الظهر وأخر عنهما سنة العصر ، وله توسيطها وتقديمها إن جمع تأخيرًا سواء قدم الظهر أم العصر وإذا جمع بين المغرب والعشاء أخر سنتهما ، وله توسيط سنة المغرب إن جمع تأخيرًا وقدم المغرب ، وتوسيط سنة العشاء إن جمع تأخيرًا وقدم العشاء وما سوى ذلك ممنوع ، وهذا كله بناء على أن الترتيب والولاء شرطان في جمع التقديم دون جمع التأخير ، والأولى من ذلك تقديم سنة الظهر أو المغرب القدمة وتأخير ما سواها على كل تقدير . وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الحج وكذا النسائي . 1674 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ " . [ الحديث 1674 - طرفه في : 4414 ] . وبه قال : ( حدّثنا خالد بن مخلد ) بفتح الميم وسكون الخاء البجلي قال : ( حدّثنا سليمان بن بلال ) هو سليمان بن أيوب بن بلال القرشي قال : ( حدّثنا يحيى بن سعيد ) الأنصاري ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( عدي بن ثابت ) هو عدي بن أبان بن ثابت الأنصاري ( قال : حدثني ) بالإفراد ( عبد الله بن يزيد الخطمي ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة نسبة إلى خطمة فخذ من الأوس ويزيد من الزيادة ( قال : حدثني ) بالإفراد ( أبو أيوب ) خالد ( الأنصاري ) - رضي الله عنه - . ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جمع في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة ) أي : ولم يصل بينهما تطوّعًا ، وقد سبق قريبًا أنه يسنّ التطوّع على التفصيل السابق . نعم لا يسنّ التنفل المطلق لا بين الصلاتين ولا على