أحمد بن محمد القسطلاني
192
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
إلا الأفضل لأنا نقول : التمني هنا ليس لكونه أفضل مطلقًا بل لأمر خارج فلا يلزم من ترجيحه من وجه ترجيحه مطلقًا كما ذكره ابن دقيق العيد . فإن قلت : قد ورد عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يقتضي كراهة قول " لو " حيث قال عليه الصلاة والسلام : لو تفتح عمل الشيطان . أجيب : بأن المكروه استعمالها في التلهف على أمور الدنيا إما طلبًا كقوله : لو فعلت كذا حصل لي كذا وإما هربًا كقوله لو كان كذا وكذا لما بي كذا وكذا لما في ذلك من صورة عدم التوكل ونسبة الأفعال إلى غير القضاء والقدر ، أما تمني القربات كما في هذا الحديث فلا كراهة لانتفاء المعنى المذكور . ( وحاضت عائشة - رضي الله عنها - فنسكت المناسك كلها ) أتت بأفعال الحج كلها ( غير أنها لم تطف بالبيت ) أي ولم تسع بين الصفا والمروة وحذفه لأن السعي لا بد من تقديم طواف عليه فيلزم من نفيه نفيه فاكتفي بنفي الطواف ، ( فلما طهرت ) بفتح الهاء وضمها ( طافت بالبيت ) أي وسعت بين الصفا والمروة ( قالت : يا رسول الله تنطلقون ) أي أتنطلقون فحذفت همزة الاستفهام ( بحجة وعمرة ) أي العمرة التي فسخوا الحج إليها والحجة التي أنشؤوها من مكة ( وانطلق بحج ! ) مفرد بلا عمرة مفردة كما وقع لهم ، ( فأمر ) النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عبد الرحمن بن أبي بكر ) الصديق - رضي الله عنهما - ( أن يخرج معها إلى التنعيم ) لتعتمر منه ( فاعتمرت بعد الحج ) . وهذا الحديث أخرجه أبو داود ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وذكر الإسناد من طريقين ورواته كلهم بصريون إلا عطاء فمكي . 1652 - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ " كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ ، فَحَدَّثَتْ أَنْ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثِنْتَىْ عَشْرَةَ غَزْوَةً ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ . قَالَتْ : كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى ، وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى . فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لاَ تَخْرُجَ ؟ قَالَ : لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَدِ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ . فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ - رضي الله عنها - سَأَلْنَهَا ! أَوْ قَالَتْ : سَأَلْنَاهَا - فَقَالَتْ : وَكَانَتْ لاَ تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلاَّ قَالَتْ : بِأَبِي - فَقُلْنَا : أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ بِأَبِي فَقَالَ : لِتَخْرُجِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ - أَوِ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ - وَالْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى . فَقُلْتُ : آلْحَائِضُ ؟ فَقَالَتْ : أَوَ لَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا ؟ " . وبه قال : ( حدّثنا مؤمل بن هشام ) بميم مضمومة فهمزة فميم مشددة مفتوحتين آخر لام اليشكري البصري قال : ( حدّثنا إسماعيل ) ابن علية ( عن أيوب ) السختياني ( عن حفصة ) بنت سيرين ( قالت : كنا نمنع عواتقنا ) نصب مفعول نمنع والعواتق جمع عاتق وهي التي لم تفارق بيت أهلها إلى زوجها لأنها عتقت عن آبائها في الخدمة والخروج إلى الحوائج ، وقيل غير ذلك مما مرّ في باب شهود الحائض العيدين عند ذكر الحديث ( أن يخرجن ) أي من خروجهن في العيدين ( فقدمت امرأة ) لم تسم ( فنزلت قصر بني خلف ) جد طلحة الطلحات وكان بالبصرة ( فحدثت أن أختها ) هي أم عطية فيما قيل أو غيرها ( كانت تحت رجل ) لم يسم ( من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قد غزا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثنتي عشرة غزوة ) قالت المرأة المحدّثة : ( وكانت أختي معه ) أي مع زوجها أو مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( في ست غزوات قالت ) أي الأخت : ( كنا نداوي الكلمى ) بفتح الكاف وسكون اللام وفتح الميم الجرحى ( ونقوم على المرضى فسألت أختي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت : هل على إحدانا بأس ) أي إثم ( إن لم يكن لها جلباب أن لا تخرج ) ؟ إلى مصلّى العيد ( فقال ) : عليه الصلاة والسلام : ( لتلبسها صاحبتها ) بكسر اللام وضم الفوقية وسكون اللام وكسر الموحدة وجزم السين والفاعل صاحبتها ( من جلبابها ) بكسر الجيم خمار واسع كالملحفة تغطي به المرأة رأسها وصدرها أي : لتعرها جلبابًا لا تحتاج إليه ، ( ولتشهد الخير ) أي مجالسه ( ودعوة المؤمنين ) . وفي باب : شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ( فلما قدمت أم عطية ) نسيبة ( - رضي الله عنها - ) البصرة ( سألنها - ) بنون بعد اللام الساكنة ثم هاء من غير ألف أي حفصة والنسوة معها ( أو قالت - ) حفصة ( سألناها ) بألف بعد النون ، ولأبي الوقت : سألتها ، ولأبي ذر : فقال بالتذكير أي قال أيوب عن حفصة سألناها ( فقالت ) ولأبي الوقت : قالت ( وكانت لا تذكر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا ) ولأبوي ذر والوقت : أبدًا إلا ( قالت بأبي ) بهمزة بين موحدتين مكسورتين أي أفديه ، وللكشميهني : بأبا بقلب التحتية ألفا فتفتح الموحدة الأخيرة وللمستملي : بيبا بإبدال الهمزة ياء وقلب الياء المضافة إليها ألفًا ( فقلنا ) : ولأبي ذر : قلنا ( أسمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول كذا وكذا ) كناية عن الشيء ، والكاف حرف تشبيه ، وذا للإشارة أي ما ذكر