أحمد بن محمد القسطلاني

163

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

المقدم وجعل باب البيت خلف ظهره ، وقال في آخر روايته : وعند المكان الذي صلّى فيه مرمرة حمراء ، وكل هذا إخبار عما كان عليه البيت قبل أن يهدم ويبنى في زمن ابن الزبير ، فأما الآن فقد بين موسى بن عقبة في روايته عن نافع كما في الباب الذي يليه أن بين موقفه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبين الجدار الذي استقبله قريبًا من ثلاثة أذرع ، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى . وموضع الترجمة من الحديث قوله : فأغلقوا عليهم ، لكن استشكل قوله في الترجمة ويصلّي في أي نواحي البيت شاء فإنه يدل على التخيير ، وفي الحديث أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلّى بين اليمانيين وهو يدل على التعيين . وأجيب : بأن صلاته عليه الصلاة والسلام في ذلك الموضع لم تكن قصدًا بل وقعت اتفاقًا ، وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج ، والنسائي فيه وفي الصلاة . 52 - باب الصَّلاَةِ فِي الْكَعْبَةِ ( باب الصلاة في الكعبة ) اختلف في ذلك ، فعن ابن عباس : لا تصح الصلاة داخلها مطلقًا لأنه يلزم من ذلك استدبار بعضها ، وقد ورد الأمر باستقبالها فيحمل على استقبال جميعها ، واستحب الشافعية الصلاة فيها وهو ظاهر في النفل ويلحق به الفرض إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم ، وهو قول الجمهور ، ومشهور مذهب المالكية جوازًا لسنة فيها وفي الحجر لأي جهة كانت . وأما الفرض والسنن المؤكدة كالوتر والنافلة المؤكدة كالفجر فلا يجوز إيقاع شيء منها فيهما وهو مذهب المدونة فإن صلّى الفرض فيهما أعاد في الوقت . 1599 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - " أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ الْوَجْهِ حِينَ يَدْخُلُ وَيَجْعَلُ الْبَابَ قِبَلَ الظَّهْرِ يَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلاَثِ أَذْرُعٍ فَيُصَلِّي ، يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِلاَلٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِيهِ ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَأْسٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَىِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ " . وبالسند قال : ( حدّثنا أحمد بن محمد ) هو السمسار المروزي فيما قاله أبو نصر الكلاباذي وأبو عبد الله الحاكم . وقال الدارقطني : هو ابن شبويه ورجح المزي وغيره الأول قال : ( أخبرنا عبد الله ) بن المبارك المروزي ( قال : أخبرنا موسى بن عقبة عن نافع ) مولى ابن عمر بن الخطاب ( عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ) : ( أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه ) بكسر القاف وفتح الموحدة كاللذين بعد أي مقابل الوجه ( حين يدخل ) الكعبة ( ويجعل الباب قبل الظهر يمشي حتى يكون ) المقدار أو المسافة ( بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا ) نصب خبر يكون واسمها محذوف مقدر بالمقدار أو المسافة ، ولأبي ذر وابن عساكر : قريب بالرفع اسم ليكون ( من ثلاث أذرع ) بحذف التاء من تلاث ، وللأصيلي وابن عساكر : ثلاثة أذرع ، وهذه زيادة على الرواية السابقة كما مرّ وقد جزم برفعها مالك عن نافع فيما أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مهدي ، والدارقطني في الغرائب ، وأبو عوانة من طريق هشام بن سعد عن نافع ، وحينئذ فينبغي لمن أراد الاتباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع فإنه يقع قدماه في مكان قدميه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن كانت ثلاثة أذرع سواء وتقع ركبتاه أو يداه أو وجهه إن كان أقل من ثلاثة أذرع ، ( فيصلّي ) حال كونه ( يتوخى ) بتشديد الخاء المعجمة أي يقصد ( المكان الذي أخبره بلال أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلّى فيه ) . قال ابن عمر أو غيره ( وليس على أحد بأس أن يصلّي في أي نواحي البيت شاء ) أي : إذا كان الباب مغلقًا كما مرّ في الباب السابق . 53 - باب مَنْ لَمْ يَدْخُلِ الْكَعْبَةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - يَحُجُّ كَثِيرًا وَلاَ يَدْخُلُ ( باب من لم يدخل الكعبة ) لأنه ليس من مناسك الحج . ( وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - ) الذي هو أشهر من روى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخول الكعبة ( يحج كثيرًا ولا يدخل ) الكعبة ، فلو كان من المناسك لما أخل به مع كثرة اتباعه ، وهذا التعليق وصله سفيان الثوري في جامعه . 1600 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ " اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَافَ بِالْبَيْتِ ، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَعْبَةَ ؟ قَالَ : لاَ " . [ الحديث 1600 - أطرافه في : 1791 ، 4188 ، 4255 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا مسدد ) قال : ( حدّثنا خالد بن عبد الله ) الطحان قال : ( حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى ) - رضي الله عنه - ( قال ) : ( اعتمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة قبل الفتح ( فطاف بالبيت وصلّى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس فقال له : ) أي لابن أبي أوفى ( رجل : أدخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الكعبة ؟ ) في هذه العمرة والهمزة للاستفهام ، ( قال ) : ابن أبي أوفى ( لا ) . لم يدخلها في هذه العمرة وسببه ما كان فيها حينئذ من الأصنام ولم يكن