أحمد بن محمد القسطلاني

154

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

للتبعيض قاله الكرماني ، وقيل ، إن هذه الدار كانت لهاشم بن عبد مناف ثم صارت لابنه عبد المطلب فقسمها بين ولده فمن ثم صار للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حق أبيه عبد الله ، وفيها ولد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاله الفاكهي . وظاهر قوله : وهل ترك لنا عقيل من رباع أنها كانت ملكه فأضافها إلى نفسه ، فيحتمل أن عقيلاً تصرف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين ، ويحتمل غير ذلك . وقد فسر الراوي ولعله أسامة المراد بما أدرجه هنا حيث قال : ( وكان عقيل ورث ) أباه ( أبا طالب ) اسمه عبد مناف ( هو و ) أخوه ( طالب ) المكنى به عبد مناف أبوه ( ولم يرثه ) أي ولم يرث أبا طالب ابناه ( جعفر ) الطيار ذو الجناحين ( ولا علي ) أبو تراب ( - رضي الله عنهما - شيئًا لأنهما كانا مسلمين ) ولو كانا وارثين لنزل عليه الصلاة والسلام في دورهما وكانت كأنها ملكه لعلمه بإيثارهما إياه على أنفسهما ، وكان قد استولى طالب وعقيل على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما ، أو باعتبار ترك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحقه منها بالهجرة ، وفقد طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها . وحكى الفاكهي أن الدار لم تزل بيد أولاد عقيل إلى أن باعوها لحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار ، وقال الداودي وغيره : كان كل من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره فأمضى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تصرفات الجاهلية تأليفًا لقلوب من أسلم منهم . ( وكان عقيل وطالب كافرين فكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : ) مما هو موقوف عليه ( لا يرث المؤمن الكافر ) وقد أخرجه المؤلّف مرفوعًا في المغازي ( قال ابن شهاب : ) محمد بن مسلم الزهري ( وكانوا ) أي السلف ( يتأولون قول الله تعالى ) أي يفسرون الولاية في قوله تعالى : ( { إن الذين آمنوا ) أي صدقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والقرآن ( { وهاجروا } ) من مكة إلى المدينة ( { وجاهدوا } ) العدو ( { بأموالهم } ) فصرفوها في الكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج ( { وأنفسهم } ) بمباشرة القتال ( { في سبيل الله } ) في طاعته وما فيه رضاه ( { والذين آووا ونصروا } ) هم اللأنصار آووا المهاجرين إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم ( { أولئك بعضهم أولياء بعض } [ الأنفال : 72 ] الآية بالنصب يعني بتمامها ، أو بتقدير اقرأ بولاية الميراث ، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نسخ ذلك بقوله تعالى : { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } [ الأنفال : 75 ] والذي يفهم من الآية المسوقة هنا أن المؤمنين يرث بعضهم بعضًا ، ولا يلزم منه أن المؤمن لا يرث الكافر لكنه مستفاد من بقية اللآية المشار إليها بقول المؤلّف الآية وهي قوله تعالى : { والدين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } [ الأنفال : 72 ] أي من توليهم في الميراث ، إذ الهجرة كانت في أول عهد البعثة من تمام الإيمان فمن لم يكن مهاجرًا كأنه ليس مؤمنًا ، فلهذا لم يرث المؤمن المهاجر منه . وسقط قوله الآية في رواية ابن عساكر . وفي هذا الحديث التحديث والإخبار والعنعنة والقول ، ورواته ما بين بصري وايلي ومدني ، وأخرجه أيضًا في الجهاد والمغازي ، ومسلم في الحج وكذا أبو داود والنسائي ، وأخرجه ابن ماجة في الفرائض . 45 - باب نُزُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ ( باب ) موضع ( نزول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكة ) . 1589 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ : مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ " . [ الحديث 1589 - أطرافه في : 1590 ، 3882 ، 4284 ، 4285 ، 7479 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع قال : ( أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة ( عن الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب ( قال : حدثني ) بالإفراد ( أبو سلمة ) بن عبد الرحمن ( أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين أراد قدوم مكة ) بعد رجوعه من منى وتوجهه إلى البيت الحرام . ( منزلنا ) بالرفع مبتدأ ( غدًا ) ظرف ( إن شاء الله تعالى ) اعتراض بين المبتدأ وخبره وهو قوله : ( بخيف بني كنانة ) أي فيه وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية آخره فاء ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل ، والمراد به الحصب ( حيث تقاسموا ) أي تحالفوا ( على الكفر ) وهو تبرؤهم من بني هاشم وبني المطلب أن لا يقبلوا لهم صلحًا الآتي ذلك في الحديث التالي