أحمد بن محمد القسطلاني

142

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

هشام بن عروة ، وأورد البخاري الوجهين مشيرًا إلى أن رواية الإرسال لا تقدح في رواية الوصل ، لأن الذي وصله حافظ وهو ابن عيينة ، وقد تابعه ثقتان يعني عمرًا وحاتمًا المذكورين ، ثم أورد المؤلّف طريقًا آخر من مراسيل عروة فقال بالسند السابق أوّل هذا الكتاب إليه . 1581 - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ " دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا ، وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ " . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : كَدَاءٌ وَكُدًا مَوْضِعَانِ . ( حدّثنا موسى ) بن إسماعيل المنقري قال : ( حدّثنا وهيب ) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد قال : ( حدّثنا هشام عن أبيه ) عروة أنه قال : ( دخل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) مكة ( عام الفتح من كداء ) بالفتح والد منوّنًا ، ( وكان عروة يدخل منهما ) أي من كداء بالفتح وكدى بالضم ( كليهما ) بكاف مكسورة ولام مفتوحة فمثناة تحتية ، وللأصيلي : كلاهما بالألف على لغة من أعربه بالحركات المقدّرة في الأحوال الثلاث ( وأكثر ) بالرفع ، ولأبي ذر : وكان بالنصب خبر كان الزائدة عنده ( ما يدخل ) وفي بعض النسخ و : أكثر ما كان يدخل ( من كداء ) بالفتح والمدّ والتنوين ، ولأبي ذر : كدى بالضم والقصر من غير تنوين . قال الحافظ ابن حجر : إنها كذلك للجميع " أقربهما إلى منزله " بجرّ أقرب بيان أو بدل من كداء ، والأرجح أن دخوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أعلى مكة وخروجه من أسفلها كان قصدًا ليتأسى به فيه فيكون سنّة لكل داخل ، وحينئذٍ فالآتي من غير طريق المدينة يؤمر بالتعريج ليدخل منها وهذا ما صححه النووي في الروضة والمجموع لما قاله الشيخ أبو محمد الجويني : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عرّج إليه قصدًا . وحكى الرافعي عن الأصحاب تخصيصه بالآتي من طريق المدينة للمشقة ، وأن دخوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منها كان اتفاقًا . ( قال أبو عبد الله ) : البخاري ( كداء وكدى ) بالفتح والمدّ والتنوين في الأوّل ، والضم والقصر والتنوين في الثاني ، وفي نسخة : بركته ( موضعان ) كذا ثبت هذا القول للمستملي ، وسقط لغيره وهو أولى لأنه ليس في سياقه كبير فائدة كما لا يخفى . 42 - باب فَضْلِ مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا ، وقوله تعالى : [ البقرة : 125 - 128 ] { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } . ( باب ) بيان ( فضل مكة ) زادها الله تعالى شرفًا ورزقنا العود إليها على أحسن حال بمنه وكرمه ( و ) في ( بنيانها ) ، أي الكعبة ( وقوله تعالى ) بالجر عطفًا على سابقه أي في بيان تفسير قوله تعالى : ( { وإذ جعلنا البيت } ) أي الكعبة ( { مثابة للناس } ) من ثاب القوم إلى الموضع إذا رجعوا إليه . أي : جعلنا البيت مرجعًا ومعاذًا يأتونه كل عام ويرجعون إليه فلا يقضون منه وطرًا ، أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماده ( { وأمنًا } ) من المشركين أبدًا فإنهم لا يتعرضون لأهل مكة ويتعرضون لمن حولها ، أولاً يؤاخذ الجاني الملتجئ إليه كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله ، وقيل : يأمن الحاج من عذاب الآخرة من حيث أن الحج يجب ما قبله ( { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى } ) مقام إبراهيم الحجر المعروف أو المسجد الحرام أو الحرم أو مشاعر الحج . وقد صح أن عمر قال : يا رسول الله هذا مقام أبينا إبراهيم ؟ قال : " نعم " . قال : أفلا نتخذه مصلّى : فأنزله الله ( { واتخذوا } ) الخ . وهو عطف على اذكروا نعمتي أو على معنى مثابة أي ثوبوا إليه واتخذوا أو مقدّر بقلنا أي : وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة أو مدعى والأمر للاستحباب بالاتفاق ( { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ) أمرناهما ( { أن طهّرا بيتي } ) أي : بأن طهرا وهو بمعنى الوحي عدّى بإلى يريد طهراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به وأخلصاه ( { للطائفين } ) حوله ( { والعاكفين } ) المقيمين عنده أو المعتكفين فيه ( { والركع السجود } ) جمع راكع وساجد أي المصلين ، واستدلّ به على جواز صلاة الفرض والنفل داخل البيت خلافًا لمالك رحمه الله في الفرض . ( { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا } ) البلد أو المكان ( { بلدًا آمنًا } ) أي ذا أمن كقوله تعالى : { في عيشة راضية } [ الحاقة : 21 والقارعة : 7 ] وآمنًا أهله كقولك : ليل نائم ( { وارزق أهله من الثمرات } ) فاستجاب الله دعاءه بأن بعث الله تعالى جبريل عليه الصلاة والمسلام حتى اقتلع الطائف من موضع الأردن ، ثم طاف بها حول الكعبة فسميت الطائف قاله المفسرون ( { من آمن منهم بالله واليوم الآخر } ) أبدل من آمن من أهله بدل البعض للتخصيص . ( { قال ومن كفر } ) عطف على من