أحمد بن محمد القسطلاني
129
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الرواية السابقة في باب : قول الله تعالى : { الحج أشهر معلومات } ثم ائتيا هاهنا أي المحصب ( قالت صفية : ) بنت حيي أم المؤمنين - رضي الله عنها - ( ما أراني ) بضم الهمزة أي ما أظن نفسي ( إلا حابستهم . ) بالنصب أي القوم عن المسير إلى المدينة لأني حضت ولم يطف بالبيت ، فلعلهم بسببي يتوقفون إلى زمان طوافي بعد الطهارة ، وإسناد الحبس إليها مجاز . وفي نسخة : حابستكم بكاف الخطاب وكانت صفية كما سيأتي إن شاء الله تعالى قد حاضت ليلة النفر فأراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منها ما يريد الرجل من أهله وذلك قبيل وقت النفر لا عقب الإفاضة . قالت عائشة : يا رسول الله إنها حائض . ( قال ) : عليه الصلاة والسلام ( عقرا حلقا ، ) بفتح الأول وسكون الثاني فيهما وألفهما مقصورة للتأنيث فلا ينوّنان ويكتبان بالألف هكذا يرويه المحدثون حتى لا يكاد يعرف غيره وفيه خمسة أوجه . أولها : إنهما وصفان لمؤنث بوزن فعلى أي عقرها الله في جسدها وحلقها أي أصابها وجع في حلقها أو حلق شعرها فهي معقرة محلوقة وهما مرفوعان خبرا المبتدأ محذوف أي هي . ثانيها : كذلك إلا أنها بمعنى فاعل أي أنها تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها أي تستأصلهم فكأنه وصف من فعل متعدّ وهما مرفوعان أيضًا بتقدير هي وبه قال الزمخشري . ثالثها : كذلك إلا أنه جمع كجريح وجرحى أي ويكون وصف المفرد بذلك مبالغة . رابعها : أنه وصف فاعل لكن بمعنى لا تلد كعاقر وحلقى أي مشؤومة . قال الأصمعي : يقال أصبحت أمه حالقًا أي ثاكلاً . خامسها : إنهما مصدران كدعوى والمعنى عقرها الله وحلقها أي حلق شعرها أو أصابها بوجع في حلقها كما سبق قاله في المحكم فيكون منصوبًا بحركة مقدّرة على قاعدة المقصور وليس بوصف . وقال أبو عبيدة : الصواب عقرًا حلقًا بالتنوين فيهما . قيل له : لم لا يجوز فعلى ؟ قال : لأن فعلى يجيء نعتًا ولم يجيء في الدعاء . وهذا دعاء . وقال في القاموس : عقرا وحلقا وينوّنان . وفي الصحاح وربما قالوا عقرا وحلقا بلا تنوين ، وحاصله جواز الوجهين فالتنوين على أنه مصدر منصوب كسقيًا وتركه إما على أنه مصدر كما في المحكم أو وصف على بابه فيكون مرفوعًا كما مرّ ، فالجملة على هذا خبرية وعلى ما قبله دعائية . وفي القاموس كالمحكم إطلاق العقرا على الحائض وكأن العقر بمعنى الجرح لما كان فيه سيلان دم سمي سيلان الدم بذلك ، وعلى كل تقدير فليس المراد حقيقة ذلك لا في الدعاء ولا في الوصف بل هي كلمة اتسعت فيها العرب فتطلقها ولا تريد حقيقة معناها فهي كتربت يداه ونحو ذلك . ( أو ما طفت يوم النحر ؟ ) طواف الإفاضة ( قالت ) : صفية ( قلت : بلى ) طفت ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( لا بأس ، انفري ) . بكسر الفاء أي ارجعي واذهبي إذ طواف الوداع ساقط عن الحائض . ( قالت عائشة - رضي الله عنها - : فلقيني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بالمحصب ( وهو مصعد ) بضم أوله وكسر ثانيه أي مبتدئ السير ( من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها ) بالشك من الراوي والواو في وهو وأنا للحال . ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون ، وأخرجه البخاري أيضًا ومسلم في الحج وكذا أبو داود والنسائي . 1562 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ . فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ " . وبه قال ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي قال : ( أخبرنا مالك ) الإمام ( عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ) يتيم عروة الأسدي ( عن عروة بن الزبير ) بن العوّام ( عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت ) : ( خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ) فقط ( ومنا من أهل بحجة وعمرة ) جمع بينهما ، ولأبي ذر : بحج وعمرة ( ومنا من أهلّ بالحج ) فقط وكانوا أوّلاً لا يعرفون إلا الحج ، فبين لهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجوه الإحرام وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحج . والحاصل من مجموع الأحاديث أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا ثلاثة أقسام : قسم أحرموا بحج وعمرة أو بحج ومعهم الهدي ، وقسم بعمرة ففرغوا منها ثم أحرموا بالحج ، وقسم بحج ولا هدي معهم فأمرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يقلبوه عمرة وهو معنى