أحمد بن محمد القسطلاني

113

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بن مالك - رضي الله عنه - قال ) : ( صلّى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة ) الظهر ( أربعًا ، وبذي الحليفة ) العصر ( ركعتين ) قصرًا لأنه أنشأ السفر ، وحذف لفظ الظهر والعصر لعدم الإلباس ، وقد صرح بهما في الحديث الآتي ( ثم بات حتى أصبح ) دخل في الصباح ( بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهلّ ) بالحج أو بالعمرة أو بهما . قال التوربشتي في شرح مصابيح البغوي أي : رفعته مستويًا في ظهرها ، وتعقبه صاحب شرح المشكاة بأن استوى إنما يعدي بعلى لا بالباء فقوله به حال نحو قوله تعالى : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ } [ البقرة : 50 ] قال في الكشاف في موضع الحال بمعنى فرقناه ملتبسًا بكم كقوله : تدوس بنا الجماجم والتريبا . وفيه دليل للمالكية على أن الأفضل أن يهل إذا انبعثت به راحلته ، وقد تقدم نقل الخلاف في ذلك وطريق الجمع بين المختلف فيه . 1547 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ، قَالَ : وَأَحْسِبُهُ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ " . وبه قال : ( حدّثنا قتيبة ) بن سعيد قال : ( حدّثنا عبد الوهاب ) بن عبد المجيد الثقفي قال : ( حدّثنا أيوب ) السختياني ( عن أبي قلابة ) بكسر القاف عبد الله الجرمي ( عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ) : ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلّى الظهر بالمدينة أربعًا ، وصلّى العصر بذي الحليفة ركعتين ) ، صرح فيه بذكر الظهر والعصر المحذوف في سابقه ( قال ) : أبو قلابة ( وأحسبه ) عليه الصلاة والسلام ( بات بها ) أي بذي الحليفة ( حتى أصبح ) وفي السابقة بغير شك ، وقد ساق هذا الحديث هنا باختصار ويأتي إن شاء الله تعالى بأتم منه . 25 - باب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإِهْلاَلِ ( باب رفع الصوت بالإهلال ) أي بالتلبية ، قال القاضي عياض : الإهلال بالحج رفع الصوت بالتلبية . قال في المصابيح : تأمل كيف يلتئم حينئذ قوله بالإهلال مع قوله رفع الصوت ، ثم قال القاضي عياض : واستهل المولود رفع صوته وكل شيء ارتفع صوته فقد استهل ، وبه سمي الهلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه ، واستبعد ابن المنير هذا الأخير من وجهين : أحدهما : أن العرب ما كانت تعتني بالأهلة لأنها لا تؤرخ بها ، والهلال مسمى بذلك قبل العناية بالتأريخ . الثاني : أن جعل الإهلال مأخوذًا من الهلال أولى لقاعدة تصريفية وهي أنه إذا تعارض الأمر في اللفظين أيهما أخذ من الآخر جعلنا الألفاظ المتناولة للذوات أصلاً للألفاظ المتناولة للمعاني ، والهلال ذات فهو الأصل والإهلال معنى يتعلق به فهو الفرع ذكره في المصابيح . 1548 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ " صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا " . وبه قال : ( حدّثنا سليمان بن حرب ) الواشحي بالمعجمة ثم المهملة الأزدي قال : ( حدّثنا حماد بن زيد ) هو ابن درهم الهضمي الأزدي البصري ( عن أيوب ) السختياني ( عن أبي قلابة ) الجرمي ( عن أنس - رضي الله عنه - قال ) : ( صلّى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة الظهر أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم ) أي الناوين للقران ( يصرخون بهما ) أي بالحج والعمرة ( جميعًا ) أو الضمير في سمعتهم راجع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومن معه من أصحابه . وفي الحديث حجة للجمهور في استحباب رفع الصوت بالتلبية للرجل بحيث لا يضر بنفسه . نعم لا يستحب رفع الصوت بها في ابتداء الإحرام بل يسمع نفسه فقط كما في المجموع ، وخرج بالرجل المرأة والخنثى فلا يرفعان صوتهما بل يسمعان أنفسهما فقط كما في قراءة الصلاة فإن رفعا كره ، وقد روى أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : أمرني جبريل برفع الصوت بالإهلال وقال إنه من شعائر الحج ، وهذا كغيره من الأحاديث ليس فيه بيان حكم التلبية ، وقد اختلف في ذلك ومذهب الشافعي وأحمد أنه سنة . وفي وجه حكاه الماوردي عن ابن خيران وابن أبي هريرة أنها واجبة يجب بتركها دم . وقال الحنفية : إذا اقتصر على النية ولم يلب لا ينعقد إحرامه لأن الحج تضمن أشياء مختلفة فعلاً وتركًا فأشبه الصلاة فلا يحصل إلا بالذكر في أوله ، وقال المالكية : ولا ينعقد إلا بنية مقرونة بقول أو فعل متعلقين به كالتلبية والتوجه إلى الطريق فلا ينعقد بمجرد النية ، وقيل ينعقد قاله سند وهو مروي عن مالك . 26 - باب التَّلْبِيَةِ ( باب التلبية ) مصدر لبى كزكى تزكية أي قال لبيك وهو عند سيبويه والأكثرين مثنى لقلب ألفه