أحمد بن محمد القسطلاني

94

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد ( قال : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم ) بن علية ( قال : أخبرنا ابن جريج ) بضم الجيم الأولى ، عبد الملك ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( عطاء ) هو ابن أبي رباح ( أنّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : في كل صلاة يقرأ ) القرآن وجوبًا ، سواء كان سرًا أو جهرًا ، ويقرأ بالبناء للمفعول . وللأصيلي وابن عساكر : نقرأ بالنون المفتوحة مبنيًّا للفاعل ، أي نحن نقرأ ، كذا هو موقوف ، لكن روي مرفوعًا عند مسلم من رواية أبي أسامة عن حبيب بن الشهيد ، بلفظ : لا صلاة إلا بقراءة . إلا أن الدارقطني أنكره على مسلم وقال : إن المحفوظ عن أبي أسامة وقفه كما رواه أصحاب ابن جريج . وكذا رواه أحمد عن يحيى القطان وأبي عبيد الحداد ، كلاهما عن حبيب المذكور ، موقوفًا . وأخرجه أبو عوانة من طريق يحيى بن أبي الحجاج عن ابن جريج ، كرواية الجماعة ، لكن زاد في آخره : وسمعته يقول : لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب ، فظاهره أن ضمير سمعته للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فيكون مرفوعًا بخلاف رواية الجماعة . نعم ، قوله : ( فما أسمَعَنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أسمعناكم ، وما أخفى عنا أخفينا عنكم ) يشعر بأن جميع ما ذكر متلقى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فيكون للجميع حكم الرفع . وسقط لفظ عنكم للأربعة ، وزاد مسلم في روايته عن أبي خيثمة وغيره من إسماعيل : فقال له الرجل : وإن لم أزد ؟ قال : ( وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت ) من الإجزاء . وهو الأداء الكافي ، لسقوط التعبد . وللقابسي : جزت بغير همز ومفهومه أن الصلاة بغير الفاتحة لا تجزئ ، فهو حجة على الحنفية . ( وإن زدت ) عليها ( فهو خير ) لك . ورواة هذا الحديث خمسة ، وفيه التحديث والإخبار والسماع والقول ، وأخرجه مسلم ، وقد تكلم يحيى بن معين في حديث إسماعيل بن علية عن ابن جريج خاصة ، لكن تابعه عليه جماعة ، فقوي والله المعين . 105 - باب الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَيَقْرَأُ بِالطُّورِ . ( باب الجهر بقراءة صلاة الفجر ) ولأبي ذر : صلاة الصبح . ( وقالت أم سلمة ) مما وصله المؤلّف في الحج : ( طفت ) بالكعبة ( وراء الناس ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلّي ) أي الصبح ( ويقرأ بالطور ) وللأصيلي وابن عساكر : يقرأ ، بغير واو . 773 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ : " انْطَلَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا : مَا لَكُمْ ؟ فَقَالُوا : حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ . قَالُوا : مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ شَىْءٌ حَدَثَ ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ . فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهْوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهْوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الْفَجْرِ ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا : هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ . فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا : { يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا } فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : { قُلْ أُوحِيَ إِلَىَّ } وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ " . [ الحديث 773 - طرفه في : 4921 ] . وبه قال ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد ( قال : حدّثنا أبو عوانة ) الوضاح ( عن أبي بشر ) بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة ، ولأبي ذر والأصيلي : هو جعفر بن أبي وحشية ، كذا في الفرع ، واسم أبي وحشية إياس ( عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ) وللأصيلي ، عن عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ، قال : انطلق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قبل الهجرة بثلاث سنين ( في طائفة ) ما فوق الواحد ( من أصحابه ) حال كونهم ( عامدين ) أي قاصدين ( إلى سوق عكاظ ) بضم المهملة وتخفيف الكاف آخره معجمة ، بالصرف وعدمه كما في الفرع وأصله ، قال السفاقسي : هو من إضافة الشيء إلى نفسه ، لأن عكاظ اسم سوق للعرب بناحية مكة ، قال في المصابيح : لعل العلم هو مجموع قولنا : سوق عكاظ ، كما قالوا في شهر رمضان ، وإن قالوا : عكاظ فعلى الحذف ، كقولهم : رمضان ( وقد حيل ) أي حجز ( بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ) بضم الهاء جمع شهب ، وهو شعلة نار ساطعة ككوكب ينقض ( فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم ؟ ، فقالوا ) بالفاء ، ولغير أبي ذر : قالوا : ( حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب قالوا ) أي الشياطين : ( ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا ) أي سيروا ( مشارق الأرض ومغاربها ) أي فيهما ، فالنصب على الظرفية ( فانظروا ) وللأصيلي وابن عساكر : وانظروا ( ما هذا الذي ) بإثبات اسم الإشارة ، ولابن عساكر : ما الذي ( حال بينكم وبين خبر السماء ) ولغير ابن عساكر : حيل ، لكنه في اليونينية ضبب عليها وشطب ( فانصرف أولئك ) الشياطين ( الذين توجهوا نحو تهامة ) بكسر التاء ، مكة . وكانوا من جنّ نصيبين ( إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهو بنخلة ) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة ، غير منصرف للعلمية ، والتأنيث موضع على ليلة من مكة ، حال كونهم ( عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو ) عليه الصلاة والسلام ( يصلّي صلاة الفجر ) الصبح ( فلما سمعوا القرآن استمعوا له ) أي قصدوه وأصغوا إليه ، وهو ظاهر في الجهر المترجم له ( فقالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم ، وقالوا ) بالواو ، وفي رواية قالوا : وهو العامل في ظرف المكان ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر : فقالوا : بالفاء ، وحينئذٍ فالعامل في الظرف : رجعوا ، مقدّرًا يفسره المذكور ( { يا قومنا إنّا سمعنا قرآنًا عجبًا } ) بديعًا مباينًا لسائر الكتب من حسن نظمه ، وصحة معانيه ، وهو مصدر وصف به للمبالغة ( { يهدي إلى الرشد } ) يدعو إلى الصواب ( { فآمنا به } ) أي بالقرآن ( { ولن نشرك بربنا أحدا } ) [ الجن : 201 ] فأنزل الله تعالى على نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( { قل أوحي إليّ } ) زاد الأصيلي : { أنه استمع نفر من الجن } ( وإنما أوحي إليه قول الجن ) . وأراد بقول الجن الذي قصه ومفهومه : أنّ الحيلولة بين الشياطين وخبر السماء حدثت بعد نبوّة نبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولذلك أنكرته الشياطين ، وضربوا مشارق الأرض ومغاربها ليعرفوا خبره ، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب ، حتى قطع بينهم وبين خبر السماء ، فكان رميها من دلائل النبوّة . لكن في مسلم ما يعارض ذلك ، فمن ثمة وقع الاختلاف ، فقيل : لم تزل الشهب منذ كانت الدنيا ، وقيل : كانت قليلة فغلظ أمرها وكثرت بعد البعث . وذكر المفسرون أن حراسة السماء والرمي بالشهب كان موجودًا ، لكن عند حدوث أمر عظيم من عذاب ينزل بأهل الأرض ، أو إرسال رسول إليهم ، وقيل كانت الشهب مرئية معلومة ، ولكن رمي الشياطين بها وإحراقهم لم يكن إلا بعد النبوّة . ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وواسطي وكوفي ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير ، ومسلم في الصلاة ، والترمذي والنسائي في التفسير ، وهذا الحديث مرسل صحابي لأن ابن عباس لم يرفعه ولا هو مدرك للقصة . 774 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا أُمِرَ ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } . { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } . وبه قال : ( حدّثنا مسدّد ) بن مسرهد ( قال : حدّثنا إسماعيل ) بن علية ( قال : حدّثنا أيوب ) السختياني ( عن عكرمة ) مولى ابن عباس ( عن ابن عباس ) رضي الله