أحمد بن محمد القسطلاني

90

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

قال لي زيد بن ثابت : ما لك تقرأ في المغرب بقصار ) بتنوين العوض عن المضاف إليه ، أي بقصار المفصل ، وللكشميهني : بقصار المفصل ، ولأبي ذر : يعني المفصل ، وهو استفهام على سبيل الإنكار ، وكان مروان حينئذٍ أميرًا على المدينة من قبل معاوية ، وللنسائي بقصار السور ( وقد سمعت ) بضم التاء ، وفي بعضها بفتحها ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ بطولى الطوليين ؟ ) أي بأطول السورتين الطويلتين ، وطولى تأنيث أطول ، والطوليين بمثناتين تحتيتين تثنية طولى ، وهذه رواية الأكثر ، وعزاها في الفرع لأبي الوقت والأصيلي ، وفي رواية كريمة : بطول الطوليين ، بضم الطاء وسكون الواو وباللام فقط . ووجهه البرماوي كالكرماني بأنه أطلق المصدر ، وأراد الوصف . أي كان يقرأ بمقدار طول الطوليين اللتين هما البقرة والنساء أو الأعراف . وتعقبه في فتح الباري بأنه يلزم منه أن يكون قرأ بقدر السورتين ، وليس هو المراد ، ولم يقع تفسير السورتين في رواية البخاري . وفي رواية أبي الأسود ، عن عروة ، عن زيد بن ثابت ، عند النسائي بأطول الطوليين : المص ، ولأبي داود : فقلت وما طولى الطوليين ؟ قال : الأعراف . لكن بيَّن النسائي في رواية له أن التفسير من قول عروة ، وزاد أبو داود قال : يعني ابن جريح ، وسألت أنا اين أبي مليكة فقال لي من قبل نفسه : المائدة والأعراف ، وعند الجوزقي مثله ، إلاّ أنه قال : الأنعام بدل المائدة ، وعند الطبراني وأبي نعيم في مستخرجه بدل الأنعام ، يونس . وفي تفسير الأخرى ثلاثة أقوال المحفوظ فيها : الأنعام ، ولم يرد البقرة . وإلا لقال : طولى الطول . فدلّ على أنه أراد الأطول من بعد البقرة وذلك هو الأعراف ، وتعقب بأن النساء هي الأطول بعدها . وأجيب بأن عدد آيات الأعراف أكثر من عدد النساء وغيرها من السبع بعد البقرة ، وإن كان كلمات النساء تزيد على كلمات الأعراف . وقد جنح ابن المنير إلى أن تسمية الأعراف والأنعام بالطوليين ، إنما هو لعرف فيهما ، لا أنهما أطول من غيرهما ، وجمع ابن المنير بين الآثار المختلفة في إطالة القراءة في المغرب وتخفيفها ، بأن تحمل الإطالة على الندرة تنبيهًا على المشروعية ، ويحمل التخفيف على العادة تنبيهًا على الأولى ، قال : ولذلك قال في الإطالة : سمعته يقرأ ، وفي التخفيف كان يقرأ انتهى . وتعقبه في فتح الباري بأنه غفل عمّا في رواية البيهقي من طريق أبي عاصم شيخ المؤلّف فيه بلفظ : لقد كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ ، ومثله في رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج عند الإسماعيلي . واستنبط من الحديث امتداد وقت المغرب إلى غيبوبة الشفق الأحمر ، واستشكل بأنه إذا قرأ الأعراف يدخل وقت العشاء قبل الفراغ . وأجيب بجوابين . أحدهما : أنه لا يمتنع إذا أوقع ركعة في الوقت ، وتعقب بأن إخراج بعض الصلاة عن الوقت ممنوع ، ولو أجزأت فلا يحمل ما ثبت عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك . الثاني : أنه يحتمل أنه أراد بالسورة بعضها . وليس الحديث نصًّا في أنه أتم السورة كذا . قاله البرماوي والأبي ، وفيه نظر ، لأنه لو كان قرأ بشيء منها يكون قدر سورة من قصار المفصل لما كان لإنكار زيد معنى . وروى حديث زيد هشام بن عروة عن أبيه ، عنه كما عند ابن خزيمة ، أنه قال لمروان : إنك تخفف القراءة في الركعتين من المغرب ، فوالله لقد كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعًا . وما ذكره البرماوي من اشتراط إيقاع الركعة في الوقت هو الذي عليه الأسنوي والأذرعي وابن المقري . وتعقب بإطلاق الشيخين الرافعي والنووي ، كغيرهما عدم العصيان ، ولم يقيداه بما إذا أتى بركعة في الوقت . وكذا أجاب البغوي في فتاويه بالإطلاق ، وجعل التقييد بالإتيان بركعة احتمالاً ، فليعتمد الإطلاق . وظاهر كلام الخادم اعتماده ، انتهى . والمستحب القراءة في المغرب بقصار المفصل ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وصاحبيه ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق . ويؤيده حديث رافع السابق ، في المواقيت : إنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب . فإنه يدل على تخفيف القراءة فيها . وعند ابن ماجة بسند صحيح ، عن ابن عمر : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ في المغرب { قل يا أيها الكافرون }